مقال د.عبدالله سرور الزعبي. ما بين اقرأ واكتب... حوار على حافة ضياع الوعي

في إحدى أمسيات عمّان الطويلة، حيث تبدو المدينة وكأنها تُخفي تعبها خلف أضواء المقاهي وضجيج الشوارع وأحاديث الناس المتعبة، دار بيني وبين صديق قديم نقاش استمر لساعات. لم يكن حديثًا عابرًا عن السياسة أو الاقتصاد أو كرة القدم، بل سؤالًا أعمق من ذلك كله، هل المجتمع يقرأ أكثر مما يكتب؟ أو في غالبيته، لا يقرأ ولا يكتب؟ ولماذا كانت القراءة دائمًا بوابة المعرفة، بينما أصبحت الكتابة الأداة التي تحفظ الأفكار وتمنحها القدرة على البقاء والتأثير؟ وهل تحوّل مجتمعنا إلى مجتمع يستهلك الأفكار بدل أن يصنعها؟

قال صديقي بثقة، إن أول آية نزلت على النبي محمد ﷺ كانت ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ولم تكن اكتب. وكأن الرسالة الأولى للإنسان هي أن يفهم العالم. فالقرآن بدأ بالقراءة، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، وقال أيضًا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. وكأن النهضة تبدأ بالقراءة والعلم.

ابتسمت وأجبته، لكن يبدو أنك لم تُكمل سورة العلق، فآياتها تقول: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾. ثم إن هناك قسمًا ربانيًا بالقلم ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. وكيف يمكن لحضارة أن تعيش بلا كتابة؟ أليست الكتابة ذاكرة البشرية؟

قال صديقي إن القراءة أمر إلهي مباشر، أما الكتابة فبقيت خيارًا. فأجبته، لا بل وجاءت بأمر رباني أيضًا، لحفظ الحقوق والعدالة، واستشهدت بالآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. كما إن فكرة الكون نفسها في القرآن مرتبطة بالحفظ والتوثيق. يقول تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾، ويقول أيضًا: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ۝ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. وكأن الوجود كله قائم على فكرة الكتابة. وأضفت، حتى الحساب الإلهي ارتبط بالكتابة، وتلوت ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾، و﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وكأن الكتابة جزء من نظام العدالة نفسه؛ حفظٌ للأفعال، ومنعٌ للنسيان.

ثم قلت إن الحضارات التي كتبت بقيت. فالسومريون منحوا الإنسان أول ذاكرة خارج عقله، والمصريون حاولوا هزيمة الزمن بالنقش الهيروغليفي، واليونانيون فهموا مبكرًا خطورة الكلمة المكتوبة. فسقراط لم يثق بالكتابة، وكان يرى أن المعرفة تعيش في العقل والحوار. لكن أفلاطون وثق كتابه الشهير الجمهورية، فخلّده التاريخ. ولو اكتفى البشر بالقراءة فقط، لما وصلتنا أفكار أفلاطون وزرداشت، وابن خلدون وديكارت وروسو وغيرهم.

ابتسم صديقي وقال، لو كتبوا جميعًا بحرية، لما نُفي أو سُجن أو أُعدم معظمهم. ثم استحضر مصير كل من سقراط، وجوردانو، وبرونو، وغاليليو، والحلاج، وابن رشد، ودستيوفسكي، وروسو، وباستيرناك، وتسلا، وزاخاروف، وجارا، وغيرهم. فصمت، قبل أن يقول عبارته المؤلمة "التاريخ لم يكن يخاف القارئ الصامت، بقدر خوفه من الكاتب"، وأضاف، لذلك كان لدينا حصة القراءة الصامتة في المدرسة.

أدركت، أنه قد يكون محقًا إلى حدٍّ موجع. فالقراءة قد تصنع إنسانًا مثقفًا، لكن الكتابة تصنع إنسانًا مؤثرًا. فالسلطات عبر التاريخ لم تخشَ المعرفة الصامتة بقدر خشيتها من المعرفة التي تتحول إلى نص، ثم إلى رأي عام ووعي جماعي.

لكنني ذكّرته بأن القرآن لم يدعُ إلى القراءة الحرفية فقط، بل إلى التفكير والتدبر ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ و﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾. وحتى الكون دعا القرآن إلى قراءته ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. فالقراءة هنا قراءة للإنسان والتاريخ والكون معًا.

وأضفتُ أن النبي محمد ﷺ، رغم أميّته، أدرك مبكرًا أهمية الكتابة، فأمر بكتابة سور القرآن. ولم يكن ذلك إجراءً إداريًا بسيطًا، بل تأسيسًا مبكرًا لفكرة الدولة التي تحفظ المعرفة بالتوثيق. فالإسلام الذي بدأ بـ(اقرأ) انتقل سريعًا إلى (اكتب)، فتحوّلت الرسالة إلى مشروع توثيق حضاري.

قال صديقي، لكن مجتمعاتنا توقفت عند التلاوة، فكيف نطالبها بالتأمل والتفكير؟ ثم انتقل إلى التعليم في الأردن، متسائلًا، كيف نبني جيلًا قارئًا وكاتبًا مع ثقافة النجاح الإلزامي والعبور الشكلي بين الصفوف، مهما كانت علاقته بالمعرفة وبالكتاب أو باللغة؟ وإن المشكلة الأكبر، عندما يتخرج البعض من الجامعات لا يتقنون الكتابة أصلًا. وأضاف أن كثيرًا من الخريجين يتعلمون، لكن عبر الفيديوهات القصيرة والجمل السريعة التي لا تحتاج إلى تفكير.

كانت كلماته قاسية، لكنها لامست حقيقة مؤلمة؛ فحين يضعف التعليم، وتُختزل الثقافة بالجمل القصيرة، وتصبح القراءة عبئًا ثقيلًا، وتتحول الكتابة إلى مهارة نادرة، ويرتفع صوت المؤثر أكثر من صوت المعلم والمفكر والكاتب، ندرك أننا لسنا بخير.

وهنا، تذكرت، نقاشاتنا حول الخطط الدراسية، قبل أكثر من نصف عقد، بأن المشكلة لم تعد أمية تقليدية، بل أمية جديدة ترتدي ثياب الحداثة. فالطالب الذي كان يُفترض أن يقرأ كتابًا كاملًا بات يكتفي بملخص، ثم بمقطع قصير. فأصبح لدينا جيل يعرف أسماء مشاهير المنصات أكثر مما يعرف أسماء الرموز الوطنية. نحن أمام تحوّل خطير؛ بالانتقال من مجتمع من المفترض أن يقوم على المعرفة إلى مجتمع المشاهدة.

وتذكرت مقولة ماكلوهان "الوسيلة هي الرسالة"، فالإنسان يتغير بالطريقة التي تصله بها المعرفة. فحين تصبح الشاشة أسرع من الكتاب، والصورة أقوى من.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 12 ساعة
خبرني منذ 15 ساعة
قناة رؤيا منذ 6 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 13 ساعة
خبرني منذ 17 ساعة
قناة المملكة منذ 18 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 4 ساعات
خبرني منذ ساعتين
خبرني منذ 6 ساعات