الجامعات وتخشب المعرفة

منذ أن خرج الإنسان الأول من كهف الضرورة إلى فسحة المعنى، لم تكن الجامعة مجرد بناء تُعلَّق على جدرانه الشهادات، بل كانت إحدى أعظم محاولات البشرية لترويض الجهل، وتدجين الفوضى، وصناعة العقل القادر على حل مسائل الكون. كانت الجامعة، في جوهرها العميق، مشروعًا لإنتاج الإنسان المفكر، لا مجرد مؤسسة لإنتاج الشهادات.

وقد عبّر John Henry Newman عن هذا المعنى حين وصف الجامعة بأنها «موطن العقل الحر»، لا مصنعًا للموظفين، ولا إطارًا إداريًا لتدوير الألقاب.

في الأزمنة الكبرى، لم تكن الجامعة هامشًا في حياة الأمم، بل كانت قلبها الفكري النابض. كانت أوروبا في تحوّلاتها الكبرى ترى في الجامعة حصنًا للعقل، ومختبرًا للأسئلة التي تغيّر مسار التاريخ، ومنها خرجت الشرارات الأولى للثورات العلمية والصناعية. لم تكن قاعاتها أماكن للامتحان بقدر ما كانت ساحات لتفكيك المسلّمات، وإعادة بناء الفهم.

لكن العالم لم يعد كما كان، فالمعرفة نفسها لم تعد ثابتة، بل أصبحت كما يصفها Zygmunt Bauman «سائلة»، تتغير بسرعة، وتذوب فيها الحدود بين التخصصات، وتتقادم فيها المهارات بوتيرة لم يعرفها التاريخ من قبل.

وفي عالم كهذا، تصبح الفكرة التقليدية عن الجامعة، بوصفها المصدر الوحيد للمعرفة، موضع مراجعة عميقة. لم يعد كافيًا أن تمنح المؤسسة التعليمية شهادة، بل بات المطلوب أن تمنح الإنسان قدرة مستمرة على إعادة تشكيل ذاته، وهو ما لخّصه Alvin Toffler بقوله إن أميِّي العصر الجديد هم الذين لا يستطيعون التعلّم، ثم نسيان ما تعلموه، ثم إعادة التعلّم.

في السياق السعودي، ومع التحولات المتسارعة التي تقودها Saudi Vision 2030، بدأت ملامح نموذج تعليمي جديد تتشكل بهدوء وعمق. فإلى جانب الجامعات التقليدية، تتوسع الأكاديميات المتخصصة، والمنصات التعليمية المرتبطة مباشرة بالقطاعات الحيوية: الصحة، والطاقة، والدفاع، والتقنية، والسياحة، والترفيه، والفنون، والأمن السيبراني.

هذا التحول لا يمكن قراءته كإجراء إداري أو توسع مؤسسي، بل بوصفه إعادة تعريف لسؤال التعليم نفسه: أين تُصنع المعرفة؟ ومن الذي يملك حق إنتاجها؟

لقد كانت الجامعة تاريخيًا أكثر من مؤسسة تعليمية؛ كانت ذاكرة الأمة العقلية، ومجالها الأوسع لإنتاج الوعي النقدي. وفي هذا السياق، يرى Wilhelm von Humboldt أن الجامعة الحقيقية ليست مكانًا لتخريج المهنيين فقط، بل فضاء لإنتاج الفكر نفسه، حيث تتشكل المعرفة بوصفها قيمة لا بوصفها مهارة فقط.

غير أن التحولات الحديثة كشفت فجوة متنامية بين إيقاع الجامعة وإيقاع العالم. فبينما تتحرك التقنية والاقتصاد بسرعة هائلة، بقيت بعض البنى الأكاديمية أسيرة نماذج إدارية ثقيلة، ومناهج تتغير ببطء لا يوازي سرعة الواقع. وهنا نشأ.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 9 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 7 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 13 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 7 ساعات
صحيفة الوئام منذ ساعتين
صحيفة الشرق الأوسط منذ 10 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 18 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 12 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 6 ساعات
صحيفة الوئام منذ 6 ساعات