في ليلة الثاني والعشرين من مايو، حين يُسدل الليل ستره على أرض الجنوب المثقلة بذاكرة الدم، وحين تطل ذكرى يتغنى بها المحتلون، يطل خطابٌ للقوى الاحتلالية لا يحمل في طياته نسائم الاعتراف، ولا يبشر بفجر الاستحقاق العادل. بل يأتي خطابًا ثقيل الوطأة، متكرر النبرات، كصدىً حزين يتردد في وادٍ موحش، يبدأ من حيث ينتهي، ويدور في فلكٍ مفرغ عنوانه العريض: "الشرعية واستعادة مؤسساتها من الجنوب المحرر". وكأن هذه الكلمة، في قاموس القادمين من كهف الماضي، قد تحولت إلى تميمةٍ سحرية تُلبس كقناعٍ مخملي، لتُخفي وراءها ذلك الوجه العاري: وجه الهيمنة الشمالية الاحتلالية التي تأبى الرحيل، وتأبى أن تعترف بأن الأرض قد ولّدت أصحابها الجدد القادرين على حمايتها.
يبدأ الصوت عاليًا، جهوريًا، متوشحًا بلغة خشبية مستهلكة عن استعادة الشرعية، متحدثًا ببلاغة مزيفة عن مؤسساتٍ أنهكها الخلل، وعن دولةٍ أصابتها الاختلالات بفعل قيادتهم الهاربة. لكن الأُذن الجنوبية، التي صقلتها سنون الحرب وأرهقها الألم، صارت خبيرة في تفكيك الشفرات، وقراءة ما بين السطور المسمومة، وتسمع بوضوح ما لا يُقال: كأن هذه الأرض المحررة، التي اختلطت تربتها بدماء الشهداء وسالت عليها تضحيات الأبطال، ليست في نظرهم سوى عقارٍ شاسع، ومجالٍ حيوي مُعدٍّ لإعادة التموضع وبسط الهيمنة من جديد، لأولئك الذين لاذوا بالفرار حين دوّى الرصاص.
وهذا الخطاب، الذي أُلقي بلسان الهارب، يرقص فوق الجراح المفتوحة، لا ليداويها بمرهم الاعتراف، بل ليؤكد، بكل صفاقة، أن الجنوب ما زال ملكًا يمينهم، وأنه، رغم طوفان دمائه، ما يزال في دفاترهم الصفراء "إقليمًا خُلخلت أوصاله" بفعل عبثهم بأرواح هذا الشعب، مستقوين بإقليمٍ متآمر، هذا الشعب الذي ضحى لأجل تحرير الأرض منهم ومن دنسهم! هكذا يُراد لهذا التاريخ الماجد أن يكون قدرًا محتومًا، وإثمًا لا يُغتفر، يُبقي أبناءه تحت سطوة الأوامر والإملاءات، رهائن لأطماعهم التي لم تمت.
ثم، في ذروة المشهد الاستفزازي، تأتي اللحظة الأشد وقاحةً والمتوجة بالخبث السياسي، تأتي الدعوة المنمقة إلى الاعتراف بقضية الجنوب وعدالتها، في سياق عبارةٍ براقة كسرابٍ في وضح النهار، تُرفع كيافطة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من عدن تايم
