شهدت منظومة خدمة حجاج بيت الله الحرام خلال السنوات الأخيرة تحولات جذرية أعادت رسم ملامح رحلة الحج بالكامل، بدءًا من إجراءات القدوم وحتى مغادرة الحاج إلى بلده، في مشهد يعكس حجم التطور الذي تعيشه المملكة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي وضعت خدمة ضيوف الرحمن في صدارة أولوياتها.وأكد مختصون ومقدمو خدمات للحجاج في حديثهم لـ«اليوم» أن مهنة الطوافة، التي تعد من أعرق المهن المرتبطة بالحرمين الشريفين، انتقلت من العمل الفردي التقليدي القائم على الخبرة الميدانية المتوارثة، إلى منظومة تشغيلية متكاملة تعتمد على التقنية والحوكمة والتحول الرقمي وإدارة البيانات والذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على جوهر الرسالة الإنسانية للمهنة والمتمثلة في خدمة الحاج ورعايته.وأوضح متخصص خدمات الحج والعمرة أحمد صالح حلبي أن الطوافة تعد مهنة تاريخية متجذرة في مكة المكرمة، مشيرًا إلى أن جذورها تعود إلى قرون طويلة، حيث نقل قطب الدين النهرواني في كتابه «الإعلام بأعلام بيت الله الحرام» أن السلطان المملوكي قايتباي حين حج عام 884 هـ تولى القاضي إبراهيم بن ظهيرة مهمة تطويفه وتلقينه الأدعية، فيما أشار الرحالة ابن رشيد خلال رحلته للحج عام 683 هـ إلى أن أهل مكة وأطفالهم كانوا يستقبلون الحجاج ويعلمونهم المناسك والأدعية.نظام إدارة الحجوبيّن حلبي أن الطوافة بدأت تأخذ شكلها التنظيمي خلال العهد العثماني، عندما ظهرت أنظمة «التقارير» التي منحت بعض العلماء والقضاة صلاحيات مرتبطة بخدمة الحجاج، قبل أن تتطور لاحقًا لتنشأ مهنة المطوفين بشكل أكثر وضوحًا.وأضاف أن التحول الأكبر جاء مع توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ الذي أصدر عام 1343 هـ أمرًا كريمًا بالإبقاء على مهنة الطوافة وتنظيمها، وهو ما ظهر في المرسوم الملكي المنشور في صحيفة أم القرى آنذاك.وأكد أن أول تنظيم فعلي للطوافة في العهد السعودي جاء عبر «نظام إدارة الحج» الصادر عام 1345 هـ، والذي وضع تعريفًا واضحًا لمهام المطوفين والزمازمة ووكلائهم والعاملين في خدمة الحجاج.أنظمة التوزيع والمؤسساتوأشار حلبي إلى أن أنظمة الطوافة شهدت تطورات متلاحقة، بداية من «نظام التقارير»، مرورًا بـ«نظام السؤال» الذي منح الحاج حرية اختيار المطوف، ثم أنظمة التوزيع والمؤسسات، وصولًا إلى النظام الحديث القائم على الشركات المتخصصة في تقديم الخدمات.وأكد أن المهام الأساسية التي كان يؤديها المطوف قديمًا لا تختلف كثيرًا عن المهام الحالية، لكنها أصبحت اليوم تنفذ عبر شركات احترافية متكاملة تضم كوادر تشغيلية وتقنية وإدارية وميدانية تعمل وفق معايير دقيقة.وأشار إلى أن شركات خدمات الحجاج تتولى حاليًا إدارة منظومة متكاملة تشمل الاستقبال في المنافذ، وخدمات السكن والإعاشة، وتجهيز المخيمات بالمشاعر المقدسة، وإدارة النقل والتفويج، إضافة إلى خدمات التوديع ومتابعة انتقال الحجاج إلى المدينة المنورة أو المطارات.**media[2979661]**المسجد الحرام والمشاعر المقدسةوأضاف حلبي أن الخدمات لم تعد تقتصر على الجوانب التشغيلية، بل تشمل كذلك التوجيه والإرشاد والتوعية، ومساعدة الحجاج أثناء أداء المناسك، وشرح التعليمات التنظيمية الخاصة بالتفويج والتنقل داخل المسجد الحرام والمشاعر المقدسة، إلى جانب تعزيز الالتزام بالبرامج الزمنية للحشود.وأوضح أن قياس جودة الخدمات شهد بدوره تطورًا ملحوظًا، حيث ظهرت فرق متخصصة تعرف بـ«فرق السعادة» تعمل على زيارة الحجاج في مساكنهم وتقديم الهدايا لهم وقياس رضاهم بشكل مباشر، مؤكدًا أن الشركات الناجحة لم تعد تعتمد فقط على الاستبيانات التقليدية، بل على التواصل المباشر مع الحاج وتحليل تجربته ميدانيًا.وفيما يتعلق بالتحديات، قال إن أبرز ما كان يواجه المطوفين سابقًا يتمثل في عدم التزام بعض الحجاج ببرامج التفويج الخاصة بمنشأة الجمرات أو المسجد الحرام، نتيجة ضعف التوعية في بلدانهم، إلا أن التنسيق الحالي بين وزارة الحج والعمرة ومكاتب شؤون الحجاج أسهم في تعزيز البرامج التوعوية وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة لإيصال الرسائل الإرشادية للحجاج بلغات متعددة.**media[2979656]**تقنيات الذكاء الاصطناعيوأكد حلبي أن الخبرة الميدانية الطويلة لا تزال تمثل عنصرًا مهمًا في نجاح العاملين بخدمة الحجاج، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع اختلاف الثقافات واللغات، مشيرًا إلى أن المطوف المتمرس يستطيع فهم احتياجات مختلف الجنسيات والتعامل معها بمرونة عالية.وحول التحول الرقمي، أوضح أن الحديث لم يعد يقتصر على بطاقة «نسك» فقط، بل امتد إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف تفاصيل التشغيل داخل المشاعر المقدسة، بدءًا من أنظمة الرؤية الحاسوبية المستخدمة في حصر أعداد الحجاج داخل المخيمات وإدارة الحشود، مرورًا بمراقبة الاشتراطات الصحية والبيئية في المطابخ ومواقع تجهيز الطعام، وصولًا إلى أنظمة ذكية تتابع نظافة المخيمات ودورات المياه وتكتشف المخلفات بشكل فوري.وأضاف أن الأنظمة الحديثة أصبحت تقيس أوزان الوجبات ودرجات حرارتها قبل التوزيع، وتوثق أوقات تسليمها للحجاج، بما يضمن جودة الإعاشة وسرعة الخدمة، إلى جانب استخدام روبوتات ذكية لجمع البيانات وتنفيذ الاستبيانات بلغات متعددة.**media[2979663,2979660]**مراقبة كثافة الحشودوأشار حلبي إلى أن الذكاء الاصطناعي دخل كذلك في الجوانب الأمنية، من خلال.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اليوم - السعودية
