ترجمة: علاء الدين أبو زينة كريس هيدجز - (كونسورتيوم نيوز) 2026/5/19
سوء تقدير ترامب الكارثي في إيران، ورفضه الإقرار بحتمية الهزيمة، يدفعان العالم نحو كساد عالمي، ويضمنان معاناة ملايين البشر وإفقارهم.
* * *
يشبه المستنقع الأميركي الأحدث في الشرق الأوسط مستنقعاتها القديمة في المنطقة. وهو يقوم -كما كان حال الحربين في أفغانستان والعراق- على سوء قراءة فادح لخصوم الولايات المتحدة، وإخفاق كارثي في فهم حدود القوة الإمبريالية، وغياب أي استراتيجية واضحة المعالم.
كما أنه يضخم أرباح صناعة الحرب، ويهدر مليارات الدولارات من الأموال العامة، ويُنَفِّر الحلفاء، ويقوّض القوة العالمية للولايات المتحدة وهيبتها.
حين يحكم الفاسدون وعديمو الكفاءة الإمبراطوريات المحتضرة، فإنها تصبح معميّة بالعسكرة والغطرسة. وتصبح عاجزة عن قراءة العالم من حولها، وتتخبط في ممرات مسدودة مدمّرة للذات -كما فعلت الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، وقبل ذلك في فيتنام- حيث تُفاقم المغامراتية العسكرية الجروح التي تُلحقها بنفسها. وليست الحرب على إيران سوى فصل آخر من فصول الانحدار الأميركي المتسارع والمفضي في نهاية المطاف إلى الهلاك.
كان مقترح طهران المؤقت لوقف إطلاق النار، المؤلف من عشر نقاط والذي تم التوصل إليه بوساطة باكستانية وقُدِّم إلى الولايات المتحدة بعد أربعين يوما من اندلاع الحرب على إيران، يكاد يرقى إلى شروط استسلام.
يطالب المقترح بوقف الهجمات الأميركية والإسرائيلية، بما في ذلك تلك الجارية في لبنان. كما يدعو إلى إزالة القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية من المنطقة. وهو يكرّس سيطرة إيران على مضيق هرمز، ويرفض التخلي عن تخصيب اليورانيوم. كما يطالب بإنهاء العقوبات، وإلغاء القرارات المعادية لإيران الصادرة عن "مجلس الأمن الدولي" و"الوكالة الدولية للطاقة الذرية". ويتضمن أيضا الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة -المقدّرة بنحو 100 مليار دولار- ودفع تعويضات عن الهجمات الأميركية والإسرائيلية.
تشكل هذه الشروط إذلالا بالغ المرارة لا تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل قبوله. وفي غضون ساعات من طرح المقترح الإيراني، شنّت إسرائيل -المصممة على تخريب أي اتفاق- هجوما جويا مدمرا على لبنان. واستمر الهجوم عشر دقائق، وشمل قصف وسط بيروت. وشاركت فيه خمسون طائرة مقاتلة وتكوّن من 108 غارات جوية ألقت نحو 160 قنبلة، مما أسفر عن مقتل 350 شخصا وإصابة ألف آخرين بجروح.
شكّلت هذه المجزرة الخاطفة وغير المبررة، المعروفة باسم "الأربعاء الأسود"، تذكيرا قويا بأن إسرائيل لا تنوي السماح لهذه الحرب بأن تنتهي. ومع عدم استعداد الولايات المتحدة للاعتراف بالهزيمة وتعطش إسرائيل لسفك الدماء، يبدو أن العالم مقبل على مرحلة شديدة القسوة.
في الأسبوع الذي سبق كتابة هذه السطور، قدمت إيران الأسبوع مقترحا محدّثا قال عنه ترامب أنه "غير مقبول على الإطلاق". لكنّ إيران تستطيع الانتظار بفضل القبضة الخانقة التي تفرضها على مضيق هرمز. وكلما واصلت طهران فرض الحصار على حركة الشحن -حيث يمر نحو 20 في المائة من النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم عبر المضيق- زادت الآلام الاقتصادية التي تُلحقها بالعالم. وكما يبدو، ليس ثمة نهاية جيدة للولايات المتحدة.
حسابات ترامب الكارثية الخاطئة
يضمن تعنّت إدارة ترامب، وإصرار إسرائيل على استئناف الهجمات على إيران، اندفاع الاقتصاد العالمي نحو كساد عالمي. ويتوقع البنك الدولي ارتفاعا بنسبة 31 في المائة في تكلفة الأسمدة النيتروجينية المنتَجة في الخليج والمارة عبر مضيق هرمز هذا العام إذا استمرت الحرب. وهذا يضمن ارتفاعا هائلا في أسعار الغذاء. وقد بدأت حالات النقص فعليا في شلّ التصنيع والإنتاج على مستوى العالم. كما بدأت سلاسل الإمداد العالمية الهشّة والمترابطة في التوقف والانهيار. وقد أثبتت إيران أن هذا النظام الاقتصادي العالمي سهل التدمير، لكن إعادة تجميعه ستكون بالغة الصعوبة.
من جهتها، تعرضت إيران لضربات مدمرة طالت بنيتها التحتية المدنية واقتصادها -بما في ذلك المناطق السكنية، والمدارس، والمراكز الصحية، ومراكز الشرطة، والكنائس والمعابد اليهودية، ومنشآت الطاقة، ومحطات تحلية المياه، ومرافق صناعة الصلب والأدوية- فضلا عن أصولها العسكرية، بما فيها أجزاء من قواتها البحرية والجوية وقدراتها الصاروخية.
كما تعرضت منذ بداية الحرب لـ"ضربات قطع الرأس" التي استهدفت كبار قادتها السياسيين والعسكريين، وشملت اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، آية الله على خامنئي؛ وأمين مجلس الدفاع الإيراني، علي شامخاني؛ ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، عبد الرحيم موسوي، إلى جانب شخصيات أخرى.
ومع ذلك، لم يتحقق أي من الأهداف الأميركية والإسرائيلية. ما تزال القيادة الإيرانية الجديدة المتمركزة حول الحرس الثوري الإسلامي أكثر تحديا وتصلبا من القيادة السابقة. وما تزال إيران تسيطر على مضيق هرمز. وهي تتقاضى ما يصل إلى مليوني دولار عن كل ناقلة نفط تعبره. ويجب دفع هذه الرسوم التي فرضتها إيران ضمن مطالبها بتعويضات الحرب، بالعملة الصينية، في إطار محاولة مشتركة بين إيران والصين وروسيا لكسر هيمنة الدولار الأميركي. وما تزال إيران تحتفظ بمخزونات كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة واليورانيوم المخصب، وقد حذّرت من أنها سترفع نسبة التخصيب إلى 90 في المائة إذا تعرضت لهجوم جديد.
إن إيران هي الرابح الواضح من عملية "الغضب الملحمي"، بينما ترامب هو الخاسر الواضح. وتكمن المعضلة في أن ميل ترامب إلى اختراع واقع خاص به يجعله على الأرجح غير قادر على الاعتراف بخطئه أو التفاوض للخروج من الكارثة التي صنعها بنفسه.
أهدر ترامب في هذه الحرب، من دون موافقة الكونغرس، ما لا يقل عن 29 مليار دولار بحسب وزارة الدفاع الأميركية، مع أن تحليلا أجراه ستيفن سيملر لصالح موقع "بوبيولار إنفورميشن" قدّر الرقم بما يقرب من 72 مليار دولار.
كما أن الكلفة البشرية مرتفعة مُسبقا. فقد أسفرت الضربات الأميركية والإسرائيلية عن مقتل أكثر من 3.300 مدني إيراني، بينهم ما لا يقل عن 221 طفلا. كما نزح أكثر من ثلاثة ملايين إيراني -إلى جانب أكثر من مليون لبناني- بسبب القصف الإسرائيلي المتواصل والتطهير العرقي في جنوب لبنان. وفي الوقت نفسه، هناك أكثر من مليوني فلسطيني نازح بسبب الإبادة الجماعية في غزة، بالإضافة إلى مقتل 1.100 فلسطيني وتهجير 40 ألفا آخرين في الضفة الغربية المحتلة.
كما يؤدي نقص الوقود واضطرابات الإمدادات إلى شلّ عدد من الدول الآسيوية، حيث تواجه تايلاند موجات شراء بدافع الذعر وتقنينا في بعض محطات الوقود. وتسارع فيتنام.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
