رحلة في 50 عامًا من الصحافة والفكر والكلمة
الحركة الخامسة
من القاهرة إلى مسقط إلى عواصم الخليج.. حين اتسعت الخريطة.
(24)
في حياة الإنسان لحظات يدرك فيها أن الخريطة التي كان يعيش داخلها لم تعد تكفي. ليس لأن الوطن ضاق، بل لأن التجربة نفسها بدأت تبحث عن أفقٍ أوسع. وبعد سنوات من الغوص في بلاط صاحبة الجلالة في القاهرة، كانت الصحافة قد علمتني درسًا مهمًا: أن العالم أكبر بكثير من الحدود التي ترسمها الخرائط، وأن الكلمة- إذا امتلكت روحها الحقيقية- يمكنها أن تعبر البحار دون جواز سفر.
وهكذا بدأت مرحلة جديدة من الرحلة. مرحلة الانتقال من القاهرة إلى فضاء عربي أوسع، كانت ملامحه تتشكل بسرعة في تلك السنوات. كان الخليج العربي يعيش زمن التحول الكبير. الدول التي كانت حتى وقت قريب تعيش إيقاع الصحراء الهادئ بدأت تبني دولًا حديثة.. وتبحث عن صوت إعلامي يعبر عن طموحها الجديد.
وكانت تلك لحظة تاريخية نادرة يلتقي فيها الحلم بالبناء.
(25)
كانت محطتي الأهم في تلك المرحلة سلطنة عُمان.. هناك، في ذلك البلد الذي جمع بين حكمة التاريخ وطموح المستقبل، بدأت تجربة مختلفة تمامًا.
لم أكن مجرد صحفي يكتب الأخبار.. كنت جزءًا من محاولة أوسع: محاولة الإسهام في بناء خطاب إعلامي حديث لدولة تصنع نفسها بهدوء وثقة. وفي تلك السنوات كان لي شرف العمل مستشارًا صحفيًا في مكتب السلطان قابوس. وكان السلطان قابوس- رحمه الله- واحدًا من أولئك القادة الذين يؤمنون بأن الإعلام ليس مجرد أداة دعائية، بل جسر بين الدولة والعالم، بل حرفيا قال في يداية عقد تأسيس الدولة عام 1970 (نريد للإعلام أن يكون «رسول سلام»).
وفي أول مؤتمر صحفي لجلالة السلطان قابوس بن سعيد مع رؤساء تحرير الصحف والمجلات المحلية عام 1974، أطلق رؤية شاملة للسياسة الإعلامية التي أرادها لعُمان قال: «إن الصحافة جزء من الحياة اليومية، ودورها كبير ومهم في الآراء والمعتقدات الأخلاقية. نحن لا نريد لصحافتنا أن تكون وسيلة خصام، بل رسول سلام..»
رأيت هناك درسًا آخر من دروس العمر: أن بناء دولة يشبه كتابة كتاب كبير.. كل صفحة فيه تحتاج إلى حكمة وصبر وإيمان بالمستقبل.
(26)
ذهبتُ إلى عُمان وأنا في ربيع العمر.. وغادرتُها مكانيًا وأنا في خريف العمر. لم تكن تلك عبارةً تُستدعى للزينة، بل كانت خلاصة طورٍ كاملٍ من التحول؛ طورٍ خرجتُ فيه من حدود المهنة إلى رحابة الرسالة، ومن جغرافيا المكان إلى جغرافيا المعنى.
هناك، لم أكن أغيّر موقعًا على الخريطة، بل كنت أُعاد صياغتي على مهل، كما تُعاد كتابة النصوص الكبرى سطرًا سطرًا.
أغوتني عُمان.. وغوايتها لم تكن عابرة.. كانت غوايةً عميقة، ممتدة، تستدرجك لا لتُضيّعك، بل لتكشف لك طبقاتٍ لم تكن تراها في نفسك ولا في العالم.
3 عقود لم تكن زمنًا يُقاس بالتقويم، بل خبرةً تُقاس بما أحدثته من إعادة ترتيب داخل الروح.
هناك، وجدتُ نفسي في قلب تجربةٍ تتجاوز حدود الصحافة بمعناها التقليدي.
لم أكن مجرد كاتبٍ يرصد، بل شاهدٌ يشارك، وعقلٌ يُسائل، وقلمٌ يُسهم في صياغة خطابٍ إعلامي لدولةٍ كانت تُعيد اكتشاف ذاتها بهدوء الواثقين.
رحلة تجاورت فيها السياسة مع الثقافة، وتحاورت الصحافة مع المجتمع والناس، وتشابك الخاص في العام، والتفت الأشواق بالأشواك، تحديقا وتحقيقا وتحليقا، فتخلَّت نفسي عن أشياء، وتحلَّت في نفسي أشياء، وتجلَّت في نفسي أشياء، وما بين « التخلي والتحلي والتجلي » تشكلت أطول شريحة من عنفوان العمر الذي اشتعل قلمًا وأملا، فاستمرت تجربة حياتي في سلطنة عُمان بلا توقف، وتسلسلت دون انقطاع، فتواصلت فيها الرؤى، وتكاثرت الانعطافات، وتوالت التحولات، سواء على المستوى الذاتي، أم على الصعيد الموضوعي، شهدت فيها تحولات الإنسان مع الزمان وتشكيلات المكان، وشاهدت تشييد المجتمع لبنة لبنة، رصدت حراكه معنى ومبنى، تحركت بين القاعدة والقمة.
عثرت على جوهر الشخصية العُمانية بعد طول مجاهدة، فصورت ذلك في ألوف الصفحات عمليًا وعلميًا؛ سواء بالكتب العشر التي وضعتها على رفوف المكتبة، أم بالكتابة الصحفية في عشرات المواقع الإعلامية التي تحركت فيها عنصرًا مشاركًا ومؤسسًا، أم كمراسل صحفي لكبريات الصحف والمجلات العربية والأجنبية.
عملت وشاركت في مختلف وسائل الإعلام العُمانية، مشاركة وصفها أهل الذكر السياسي والإعلامي بأنها «مشاركة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
