اتفاقية الخليج وبريطانيا.. شراكة تاريخية في توقيت مضطرب

بعد أربع سنوات من المفاوضات وسبع جولات تفاوضية شملت أكثر من عشرين محوراً، وقّع مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة في لندن اتفاقية تجارة حرة شاملة، هي الأولى بين دول الخليج الستّ وأيّ دولة من مجموعة السبع الصناعية الكبرى. التوقيت يحمل دلالة مزدوجة: من جهة تتعثّر سلاسل الإمداد الإقليمية في خضمّ اضطرابات مضيق هرمز، ومن جهة أخرى تسعى دول الخليج بجدّية إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد على النفط. جاء هذا الاتفاق ليُوفّر إطاراً قانونياً وتجارياً جدياً افتقرت إليه العلاقة بين الجانبين طوال عقود.

بريطانيا توقع صفقة تجارية مع الخليج بقيمة 5 مليارات دولار

أرقام تتحدّث وحدها

يبلغ حجم التبادل التجاري السنوي بين بريطانيا ودول المجلس حالياً أكثر من ثلاثة وخمسين مليار جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو واحد وسبعين مليار دولار. وتتوقّع الحكومة البريطانية أن يُضيف الاتفاق نحو ثلاثة مليارات وسبعمئة مليون جنيه إلى اقتصادها سنوياً على المدى البعيد، مع رفع الأجور بنحو مليار وتسعمئة مليون جنيه إضافي في العام. كما سيُلغي الاتفاق رسوماً جمركية تُقدَّر بنحو خمسمئة وثمانين مليون جنيه سنويًّا على الصادرات البريطانية إلى الخليج، يُلغى منها ثلاثمئة وستون مليون جنيه فور دخوله حيّز التنفيذ. غير أنّ هذه الأرقام تستند بالكامل إلى تقديرات حكومية بريطانية، ولا تزال بحاجة إلى اختبار حقيقي على أرض التنفيذ.

الخبير الاقتصادي الإماراتي محمد القمزي قال إن الاتفاقية تمثل انتقالاً نوعياً في كفاءة العلاقة التجارية بين الجانبين، أكثر من كونها توسعاً جذرياً في حجم التجارة، موضحاً أن القيمة الحقيقية لا تكمن في حجم السوق القائم بقدر ما تكمن في تقليل «تكلفة الاحتكاك التجاري» وتسريع حركة سلاسل الإمداد.

وأضاف القمزي لـ«إرم بزنس» أن حجم الرسوم الملغاة، والذي يقدّر بنحو 580 مليون جنيه سنوياً، يظل محدود الأثر المباشر على الأسعار، لكنه ينعكس بشكل أكبر على تحسين الكفاءة التشغيلية وتقليص زمن وتكاليف الإجراءات التجارية. وأشار إلى أن التأثير في المدى القريب سيكون تدريجياً، فيما تبدأ النتائج الاقتصادية بالظهور بوضوح خلال 3 إلى 5 سنوات، مع إمكانية تحقيق نمو إضافي في التبادل التجاري قد يصل إلى نحو 20%، خصوصاً في قطاعات الخدمات والتكنولوجيا واللوجستيات.

حاويات بميناء جبل علي في دبي - الإمارات

المصدر: وكالة أنباء الإمارات «وام»

أبعد من الجمارك

لا تقتصر الاتفاقية على خفض الرسوم الجمركية التقليدية، بل تمتدّ إلى مساحات غير مألوفة في اتفاقيات التجارة. فهي تتضمّن التزامات في تدفّق البيانات عبر الحدود، وحماية الملكية الفكرية الرقمية، وتسهيل حركة الاستثمارات المتبادلة وفق ضمانات تنظيمية واضحة.

ويرى محلّلون أنّ هذا البُعد الرقمي هو ما يمنح الصفقة طابعها التحديثي، إذ يفتح الباب أمام شركات التكنولوجيا والطاقة الخضراء البريطانية للتوسّع في اقتصادات خليجية تشهد تحوّلاً رقمياً متسارعاً. وتغطّي الاتفاقية جميع دول مجلس التعاون (السعودية والإمارات والبحرين والكويت وعُمان وقطر) بوصفها كتلة تفاوضية واحدة.

بوّابة للقطاع الخاص

بالنسبة إلى القطاع الخاص الخليجي، تعني الاتفاقية على أرض الواقع وصولاً أسهل إلى أسواق المال البريطانية، وانفتاحاً أوسع أمام صادرات تشمل البتروكيماويات والألمنيوم والغذاء والتمور. كما تمنح المستثمرين إطاراً قانونياً أوضح لحماية استثماراتهم في القطاعات البريطانية المختلفة من العقارات إلى التكنولوجيا. وفي المقابل، يُتوقّع أن تُقبل شركات بريطانية على ضخّ استثمارات في قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية الخضراء في دول المجلس، مستفيدةً من اليقين التنظيمي الذي توفّره الاتفاقية.

جاسم شهيبك الرئيس التنفيذي لمؤسسة مندوست للتجارة في الدوحة قال إن الاتفاقية تمثل تحالفاً اقتصادياً يعيد رسم ملامح التجارة العالمية بعيداً عن الاعتماد على النفط، مشيراً إلى أن الاقتصاد البريطاني واجه تحديات بعد «بريكست»، ما دفعه إلى تعزيز شراكات أكثر مرونة خارج أوروبا، فيما تشكّل الاتفاقية بالنسبة لدول الخليج خطوة مهمة نحو تسريع تنويع الاقتصاد، خصوصاً في قطاعات الاقتصاد الرقمي والخدمات المالية والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية.

وأضاف لـ«إرم بزنس» أن التخفيضات الجمركية وتعزيز البنية التحتية في الخليج، ولا سيما في الإمارات، قد يعززان دور المنطقة كمركز عالمي للتجارة وإعادة التصدير بين أوروبا وآسيا خلال السنوات المقبلة.

ماذا يعني اتفاق التجارة بين مجلس التعاون الخليجي وبريطانيا؟

تساؤلات لم تُحسم

رغم الزخم المصاحب للتوقيع، تبقى تساؤلات جوهرية معلّقة. يشير خبراء إلى أنّ الاتفاقية بصيغتها الحالية تمثّل "خطاً أساسياً قد تتلوه اتفاقيات ثنائية منفصلة مع كلّ دولة خليجية لتحقيق أقصى قدر من التكامل. ويُضاف إلى ذلك غياب جدول زمني واضح لآليات التنفيذ، في ظلّ استمرار الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة. والتاريخ يُعلّم أنّ اتفاقيات التجارة لا تُقاس بحفلات التوقيع، بل بما تُفرزه من خطوط تجارية وصفقات استثمارية حقيقية على الأرض. السؤال المفتوح أمام رجال الأعمال في المنطقة: متى تتحوّل هذه البنود إلى عقود؟

شهيبك أوضح أن نجاح الاتفاقية سيعتمد على سرعة تحويل بنودها إلى تطبيق فعلي على أرض الواقع، وليس فقط على الإعلان السياسي عنها، لافتاً إلى أن اختلاف الأولويات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون قد يجعل التنفيذ تدريجياً وغير متزامن.

وكشف أن هذا التفاوت في التنفيذ قد يؤخر ظهور الأثر الكامل للاتفاقية، رغم أهميتها في إعادة توجيه مسارات التجارة والاستثمار بين الخليج وبريطانيا خلال السنوات المقبلة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 12 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات