مع تسارع الطلب على قدرات الذكاء الاصطناعي الهائلة، تتجه الأنظار إلى الفضاء كحل محتمل لأزمة الطاقة والتبريد التي تواجه مراكز البيانات على الأرض، في سباق يعيد رسم ملامح البنية التحتية الرقمية عالميًا. لكن هذا الطموح يصطدم بتحديات تقنية واقتصادية معقدة، لا تزال قيد التطوير والعمل على تجاوزها.

في ظل التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتصاعد الضغوط غير المسبوقة على البنية التحتية الرقمية حول العالم، تتسارع وتيرة السباق نحو إنشاء مراكز بيانات خارج كوكب الأرض، في توجه بات يجذب اهتمام عدد من أكبر المليارديرات وشركات التكنولوجيا، وسط رهانات متزايدة على أن الفضاء قد يتحول إلى المحطة التالية لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي العملاقة.

ويأتي هذا التوجه مدفوعًا بأزمة متفاقمة تواجه مراكز البيانات التقليدية على الأرض، إذ قال فيليب جونستون، الشريك المؤسس لشركة "ستاركلاود" الناشئة والمتخصصة في الحوسبة المدارية، وأحد المسؤولين السابقين في "ماكينزي"، في تدوينة نشرها خلال مايو/أيار، إن "أكبر عقبة تواجه مراكز البيانات اليوم تتمثل في الطاقة، وتحديدًا القدرة على بناء بنية تحتية جديدة للطاقة بالسرعة الكافية لمواكبة الطلب المتسارع".

وتعكس الأرقام حجم الضغوط المتزايدة على هذا القطاع. فمراكز البيانات تستهلك حاليًا نحو 1.5% من إجمالي استهلاك الكهرباء عالميًا، وهي نسبة مرشحة لأكثر من الضعف بحلول عام 2030، مدفوعة بالطلب المتنامي على الجيل الجديد من نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل GPT-6 وLlama 5، التي تتطلب قدرات حوسبة هائلة ضمن مجمعات تشغيل متعددة الغيغاواط، وفقًا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية وS&P Global.

غير أن أزمة الطاقة ليست سوى جزء من التحديات المتراكمة. فمركز بيانات واحد بقدرة 40 ميغاواط قد يستهلك أكثر من مليون طن من المياه سنويًا لأغراض التبريد، في وقت أصبحت فيه عمليات تخصيص الأراضي والحصول على التراخيص اللازمة لبناء منشآت مراكز البيانات فائقة التوسع تستغرق سنوات طويلة.

ومع هذا التوسع غير المسبوق في البنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي، تبدو الحدود الفيزيائية لكوكب الأرض وكأنها تقترب سريعًا من نقطة الاختناق.

وفي ظل هذه القيود المتزايدة، بدأ عدد متنامٍ من المستثمرين والحكومات ورواد التكنولوجيا في البحث عن بديل كان يُنظر إليه حتى وقت قريب باعتباره أقرب إلى الخيال العلمي، ويتمثل في إنشاء مراكز بيانات تدور في الفضاء خارج الأرض.

لماذا الفضاء؟ تكمن جاذبية مراكز البيانات المدارية في قدرتها على معالجة اثنتين من أكثر الأزمات التي تضغط اليوم على البنية التحتية الرقمية حول العالم، وهما أزمة الطاقة وأزمة التبريد، اللتان أصبحتا تمثلان عائقًا متزايدًا أمام توسع مراكز البيانات التقليدية على الأرض، خصوصًا مع الطفرة المتسارعة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تتطلب قدرات حوسبة هائلة تعمل على مدار الساعة.

فبحسب ما أشار إليه المنتدى الاقتصادي العالمي، تتمتع الأقمار الصناعية الموجودة في المدار الأرضي المنخفض بتعرض شبه دائم لأشعة الشمس، ما يوفر مصدرًا مستقرًا ومتواصلًا للطاقة الشمسية، بعيدًا عن التقلبات التي تواجهها شبكات الكهرباء الأرضية، سواء بسبب الضغط المتزايد على الطلب أو محدودية البنية التحتية للطاقة في العديد من الدول.

ويمنح ذلك مراكز البيانات الفضائية ميزة استراتيجية، إذ يمكنها الاعتماد على الطاقة الشمسية بصورة أكثر استمرارية وكفاءة مقارنة بالمرافق الأرضية. لكن الميزة الأهم ترتبط بالتبريد، وهو أحد أكثر الجوانب استهلاكًا للموارد داخل مراكز البيانات الحديثة، فمع تشغيل آلاف المعالجات والرقائق الإلكترونية في وقت واحد، تنتج هذه المنشآت كميات هائلة من الحرارة، ما يفرض الحاجة إلى أنظمة تبريد ضخمة تستهلك كميات كبيرة من المياه والكهرباء؛ للحفاظ على استقرار التشغيل ومنع تعطل الأجهزة.

أما في الفضاء، فإن الفراغ المحيط بالأقمار والمنشآت المدارية يسمح بتبديد الحرارة بصورة طبيعية عبر الإشعاع الحراري، دون الحاجة إلى البنية المعقدة لأنظمة التبريد التقليدية، وهو ما قد يقلص بشكل جذري استهلاك المياه والطاقة المرتبط بتشغيل مراكز البيانات.

ولا تتوقف مزايا الفضاء عند حدود الطاقة والتبريد فقط، بل تمتد أيضًا إلى تجاوز كثير من القيود المادية والتنظيمية التي باتت تعرقل توسع مراكز البيانات على الأرض. فعادة ما تواجه الشركات صعوبات كبيرة في توفير مساحات ضخمة لبناء منشآت مراكز البيانات فائقة التوسع، إضافة إلى سنوات من الإجراءات التنظيمية والحصول على التراخيص والانتظار للربط بشبكات الكهرباء، فضلًا عن الاعتراضات البيئية والمجتمعية المرتبطة باستهلاك الطاقة والمياه.

وفي المقابل، يفتح الفضاء الباب نظريًا أمام توسع شبه غير محدود للبنية التحتية الرقمية، بعيدًا عن القيود الجغرافية والبيروقراطية التي تكبح النمو على الأرض. ورغم أن هذا التوجه لا يزال في مراحله التجريبية المبكرة، فإن المؤشرات تعكس تزايد القناعة داخل قطاع التكنولوجيا بأن البنية التحتية الحالية قد لا تكون قادرة على مواكبة الطفرة المقبلة في الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا السياق، قالت رئيسة قسم الذكاء الاصطناعي المؤسسي لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا في لينوفو، سيمون لارسون، إن "أعباء العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تسرّع الحاجة إلى إعادة التفكير جذريًا في البنية التحتية، وقد تصبح مراكز البيانات الفضائية أحد الخيارات المطروحة".

وتعكس دراسة "مركز بيانات المستقبل" الصادرة عن لينوفو، حجم الفجوة المتنامية بين طموحات الذكاء الاصطناعي وقدرة البنية التحتية الحالية على استيعابه، إذ يتوقع 90% من مسؤولي تكنولوجيا المعلومات أن يؤدي إلى زيادة هائلة في أحجام البيانات واستهلاك قدرات الحوسبة، فيما يرى 41% فقط أنهم مستعدون لدمج هذه التقنيات بكفاءة.

ويشير ذلك إلى اتساع الفجوة بين التسارع الكبير في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وبين قدرة البنية التحتية الرقمية الحالية على مواكبة هذا النمو المتسارع.

من الذي يدخل السباق؟ رغم أن فكرة الحوسبة المدارية أو إنشاء مراكز بيانات في الفضاء، طُرحت منذ سنوات ضمن أبحاث نظرية ودراسات استكشافية، فإن عام 2024 شكّل نقطة تحول فارقة نقلت هذا المفهوم من نطاق التصورات البحثية إلى مرحلة أقرب إلى التنفيذ الفعلي، مع دخول شركات كبرى ومستثمرين من عالم التكنولوجيا ورأس المال المغامر على خط المنافسة بشكل مباشر، في إشارة واضحة إلى أن الفكرة بدأت تخرج من المختبرات إلى سوق السباق التكنولوجي العالمي.

وفي هذا السياق، برزت شركة "ستاركلاود" المدعومة من شركة "إنفيديا" التي يقودها الملياردير جنسن هوانغ، كأحد أبرز اللاعبين الأوائل الذين أعادوا طرح الفكرة بقوة على طاولة النقاش التقني؛ إذ نشرت الشركة ورقة بحثية تؤكد فيها أن بناء قدرات حوسبة في الفضاء لم يعد مجرد تصور نظري، بل قد يصبح خيارًا قابلًا للتطبيق من الناحيتين التقنية والاقتصادية، لا سيما في ظل النمو المتسارع وغير المسبوق في الطلب العالمي على خدمات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الحاسوبية.

ومع انتقال الفكرة من الإطار البحثي إلى الخطط التنفيذية، كشف الشريك المؤسس للشركة فيليب جونستون، خلال مارس/آذار، عن حجم الطموح بشكل أكثر وضوحًا، مؤكدًا أن "ستاركلاود تعمل على تطوير مراكز بيانات مدارية مصممة خصيصًا لتقديم خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي مباشرة في الفضاء".

ولا يتوقف المشروع عند نطاق محدود، بل يمتد إلى خطة طموحة لإطلاق كوكبة ضخمة قد تصل إلى نحو 88 ألف قمر صناعي، يُتوقع أن توفر قدرة حوسبية تقارب 20 غيغاواط، وهو رقم يضع المشروع ضمن أكبر التصورات المستقبلية للبنية التحتية الرقمية عالميًا.

وبالتوازي مع ذلك، بدأت موجة اهتمام أوسع تتشكل داخل سيليكون فالي، مع دخول أسماء ثقيلة إلى هذا المجال سريع التطور. فبعد شهر واحد من استحواذ الرئيس التنفيذي السابق لشركة "غوغل" إريك شميت على حصة مسيطرة في شركة "ريلاتيفيتي سبيس" وتوليه دورًا قياديًا فيها، أكد أن مراكز البيانات المدارية ستكون عنصرًا أساسيًا ومحوريًا في استراتيجية الشركة خلال المرحلة المقبلة، بما يعكس انتقال الفكرة من مجرد بحث تقني إلى جزء من خطط الشركات الفعلية.

كما أظهرت "غوغل" نفسها اهتمامًا متزايدًا بهذا المسار، حين أعلن الرئيس التنفيذي سوندار بيتشاي في نوفمبر/تشرين الثاني عن مشروع "Suncatcher"، وهو مبادرة تهدف إلى اختبار إمكانية تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي عبر الفضاء من خلال إطلاق قمرين صناعيين تجريبيين مزودين بوحدات معالجة متقدمة من نوع Tensor Processing Units، لدعم تشغيل نموذج Gemini ، مع خطة مبدئية للإطلاق بحلول أوائل عام 2027، في خطوة تعكس توجهًا بحثيًا تطبيقيًا أكثر جرأة.

وفي الاتجاه ذاته، دخلت "سبيس إكس" بقيادة إيلون ماسك على خط المنافسة بطموح غير مسبوق، بعدما تقدمت في فبراير/شباط بطلب رسمي لنشر ما يصل إلى مليون قمر صناعي ضمن مشروع "مركز بيانات مداري"، وهو ما يمثل أحد أكثر التصورات طموحًا في تاريخ صناعة الفضاء.

وبعدها بشهر واحد فقط، قدمت "بلو أوريجين" التي أسسها جيف بيزوس طلبًا مشابهًا لإنشاء شبكة تضم أكثر من 50 ألف قمر صناعي لنفس الغرض، ما يعكس اتساع نطاق المنافسة بين عمالقة القطاع.

وعلى مستوى التمويل، تكشف بيانات معهد سياسات الفضاء الأوروبي (ESPI) أن مشاريع مراكز البيانات الفضائية جذبت منذ عام 2020 استثمارات خاصة تُقدّر بنحو 82 مليون دولار، وهو ما يشير إلى أن هذا المجال، رغم حداثته، بدأ بالفعل في استقطاب رؤوس أموال حقيقية، وليس مجرد اهتمام نظري أو بحثي.

ولم يقتصر هذا السباق على القطاع الخاص فحسب، بل امتد ليشمل الحكومات أيضًا، حيث أدرجت شركة China Aerospace Science and Technology Corporation مراكز البيانات الفضائية ضمن الخطة الخمسية الوطنية للصين الخاصة بتطوير القدرات المدارية، في دلالة واضحة على أن هذا التوجه لم يعد مجرد فكرة مستقبلية، بل بات جزءًا من استراتيجيات الدول الكبرى في سباق السيطرة على بنية الذكاء.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من فوربس الشرق الأوسط

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من فوربس الشرق الأوسط

منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 21 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 19 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 10 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 23 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 15 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 19 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 8 ساعات