في يومٍ تتنزل فيه الرحمات وتُرفع الأكف بالدعاء، يقف ملايين المسلمين على صعيد عرفات، الركن الأعظم من الحج، في مشهدٍ إيماني مهيب تتجلى فيه معاني الخضوع والتجرد لله سبحانه وتعالى، حيث تتوحد القلوب والوجوه القادمة من شتى بقاع الأرض طلبًا للمغفرة والرحمة.
«انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثًا غبرًا ضاجّين، جاؤوا من كل فجٍ عميق، يرجون رحمتي ولم يروا عقابي»، بهذا يباهي المولى -عز وجل- ملائكته في يوم عرفة، ذلك اليوم العظيم الذي يجتمع فيه المسلمون من كل حدبٍ وصوب لأداء منسك الحج، متضرعين إلى الرحمن، سائلين العفو والغفران.
وهو ما يكون، فقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله غفر لأهل عرفة وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات»، وحين سأل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أهذا لنا خاصة؟ قال: «هذا لكم، ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة».
ويؤدي المسلمون اليوم ركن الحج الأعظم بالوقوف على جبل عرفات، حيث ينتشر الحجاج في محيطه في مشهد روحاني فريد، يبدون كأنهم لؤلؤ منثور اجتمع من مختلف أرجاء الأرض، تملؤهم آمال الرحمة وتحدوهم رغبة صادقة في نيل المغفرة والعتق من النار.
أعظم أيام الدنيا
ويقول الشيخ عبد العزيز النجار، أحد علماء الأزهر الشريف، إن يوم عرفة هو من أعظم أيام الدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث: «ما من عملٍ أزكى عند الله عز وجل ولا أعظم أجرًا من خيرٍ يعمله في عشر الأضحى»، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء»، موضحًا أن يوم عرفة من هذه الأيام العشر المباركة.
ويضيف الشيخ النجار، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، أنه ورد أن في يوم عرفة نزل قول الله عز وجل: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾، وقال سيدنا عمر رضي الله عنه إن ذلك اليوم يوم عيد.
ويتابع حديثه عن فضل يوم عرفة، موضحًا أنه جاء في فضل صومه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده»، وذلك لغير الحاج.
وأردف قائلًا: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام»، مشيرًا إلى أنه قد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن من أعظم الأيام التي يُستجاب فيها الدعاء يوم عرفة، فقال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة».
يوم الغفران والتباهي الإلهي
ويستكمل العالم الأزهري، مؤكدًا أنه من الأيام التي يعتق الله عز وجل فيها عباده من النار، كما جاء في الحديث: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة».
كذلك يوضح أنه يوم المباهَاة الإلهية، كما ورد في الحديث أن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، حيث يقول لهم: «انظروا إلى عبادي، أتوني شعثًا غبرًا من كل فجٍ عميق»، مشهدًا الملائكة أنه غفر لهم.
ويضيف أنه إذا كانت الليالي والأيام والشهور والأعوام تمر سريعًا وتنقضي، فإنها محطّ الآجال، وفيها تتفاوت مقادير الأعمال، وقد جعل الله عز وجل منها مواسم للخيرات وأزمنة للطاعات، تتضاعف فيها الحسنات وتُكفَّر فيها السيئات.
ويعقّب بأن يوم عرفة من الأيام المعلومات التي قال الله عز وجل فيها: ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾، وقد أقسم الله بهذه الأيام فقال: ﴿والفجر وليالٍ عشر﴾، ويوم عرفة من هذه العشر المباركة.
ومضى في حديثه عن فضل اليوم، مستشهدًا بما جاء أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن الله غفر لأهل عرفة وضمن عنهم التبعات، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، هذا لنا خاصة أم لنا ولمن يأتي بعدنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا لكم ولمن يأتي بعدكم».
يوم شعار التوحيد
ويتابع الشيخ النجار، موضحًا أن في ذلك اليوم يرفع الحجيج شعار التوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك». ويظل الكون كله يشاركهم بالتسبيح والتهليل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلمٍ يُلبّي إلا لبّى من عن يمينه وشماله من حجرٍ أو شجرٍ أو مدرٍ، حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا».
ويلفت إلى أنه ينبغي أن نرفع أصواتنا بالتكبير والتهليل في هذه الأيام المباركة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية».
هذا المحتوى مقدم من بوابة دار الهلال
