حين يصبح المناخ لغة قانون واقتصاد

في السياسة الدولية، لا تولد التحولات الكبرى عادةً بصوت عالٍ. كثيرًا ما تبدأ بجملة في قرار، أو رأي استشاري في محكمة، أو تصويت يبدو للوهلة الأولى جزءًا من طقوس الأمم المتحدة المعتادة. غير أن بعض هذه الوقائع الصغيرة في شكلها، العميقة في أثرها، تكشف أن العالم يغيّر قاموسه قبل أن يغيّر قوانينه.

من هذا الباب ينبغي قراءة التصويت الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 مايو 2026، حين اعتمدت الجمعية مشروع القرار A/80/L.65 بعنوان متابعة الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن التزامات الدول فيما يتعلق بتغيّر المناخ .

وقد جاء القرار مؤيدًا للرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في 23 يوليو 2025 في القضية رقم 187، وعنوانها Obligations of States in respect of Climate Change، أي التزامات الدول فيما يتعلق بتغيّر المناخ . وقد أُقر القرار الأممي بأغلبية واسعة: 141 دولة مؤيدة، و8 دول معارضة، و28 دولة ممتنعة. فالخبر، في ظاهره، من أخبار المناخ، لكنه في جوهره خبر قانوني واقتصادي من الطراز الأول.

ولكي لا يبقى الخبر معلقًا في الهواء، تجدر العودة إلى بدايته. ففي 29 مارس 2023، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار A/RES/77/276 بعنوان طلب فتوى من محكمة العدل الدولية بشأن التزامات الدول فيما يتعلق بتغيّر المناخ . وبموجب ذلك القرار، طلبت الجمعية من المحكمة أن تبيّن ما هي التزامات الدول، في ضوء القانون الدولي، لحماية النظام المناخي والبيئة من انبعاثات غازات الدفيئة، وما الآثار القانونية المترتبة على الإخلال بهذه الالتزامات. ومن هنا بدأ المسار: قرار أممي يطلب تفسير القانون، ثم رأي استشاري من أعلى جهاز قضائي دولي، ثم قرار أممي جديد يرحب بذلك الرأي ويدفع باتجاه تفعيله سياسيًا وقانونيًا.

ولعل خطأ القراءة أن نسأل فورًا: هل القرار ملزم؟ فالسؤال، على وجاهته القانونية، لا يكفي وحده لفهم المسار. كثير من القواعد التي تحكم سلوك الدول لم تبدأ بإلزام صريح، بل بدأت بتكرار المواقف، واتساع القبول، وتراكم الممارسة، ثم نشوء الشعور بأن السلوك لم يعد اختيارًا سياسيًا، بل واجبًا قانونيًا. هكذا يتكوّن العرف الدولي: ممارسة من جهة، واعتقاد بالإلزام من جهة أخرى. وما يجري اليوم في ملف المناخ يبدو، على الأقل، جزءًا من هذا التراكم.

والأمر لا يقف عند الشركات. فالدول نفسها ستدخل مرحلة أكثر تعقيدًا. من يملك اقتصادًا قائمًا على الطاقة التقليدية لن يكون مطلوبًا منه أن ينكر واقعه، ولا أن يقفز فوق مصالحه، بل أن يدير انتقاله بعقلانية قانونية واقتصادية. فالخطورة ليست في أن العالم سيغادر النفط والغاز بين ليلة وضحاها؛ فهذا وهم لا يعرف الاقتصاد. الخطورة الحقيقية أن معايير المسؤولية تتغير، وأن تكلفة التأخر قد تصبح أعلى من تكلفة الإصلاح التدريجي.

الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الصادر في 23 يوليو 2025، لا يصنع وحده قاعدة عرفية مكتملة. وقرار الجمعية العامة في 20 مايو 2026 لا يحوّل، بذاته، السياسة المناخية إلى قانون نافذ. لكن القانون الدولي لا يعمل دائمًا بمنطق المفاتيح الكهربائية: إما إضاءة أو ظلام. أحيانًا يتحرك بالتدريج، يضيء منطقة، ثم يوسّعها، ثم يجعل تجاهلها مكلفًا.

ومن هنا تأتي أهمية هذا التصويت: إنه لا يغلق النقاش، بل يغيّر شروطه.قد كان المناخ، لسنوات طويلة، ملفًا تفاوضيًا داخل مؤتمرات الأطراف. تتجادل الدول حول التمويل، وحصص الخفض، والعدالة، والمسؤوليات التاريخية. غير أن الجديد أن الملف بدأ يخرج من قاعة المفاوضات إلى قاعة القانون.

لم يعد السؤال حصرًا: ماذا ستتعهد الدول طوعًا؟ بل أصبح أيضًا: ماذا تلتزم الدول.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الاقتصادية

منذ 22 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 8 ساعات
منذ 6 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 6 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 57 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 18 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 18 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات