يعيش العقل العربي والمسلم منذ قرون طويلة على تماسّ مع سؤال جوهري يتصل بعلاقته مع الشريعة، وحدود الفهم الإنساني للنص الديني، وإمكانات التجديد في قراءة الأحكام واستيعاب تحولات العالم. وقد ظلّ الاجتهاد عبر التاريخ الإسلامي أحد أبرز تجليات الحيوية الحضارية، إذ مثّل الأداة التي عبرت بها الشريعة نحو الوقائع المتغيرة، وتحولت من مجرد نصوص محفوظة إلى منظومة قادرة على تنظيم الاجتماع الإنساني ومواكبة تطوراته المتلاحقة. وفي هذا السياق، يبرز استئنافُ النظر العقلي في الشريعة بوصفه قضيةً حضاريةً كبرى تتصل بمستقبل المجتمعات المسلمة، وبقدرة المسلمين على استعادة فاعليتها المعرفية.
لقد ارتبط الإسلام في لحظته الأولى بفكرة النظر والتدبر وإعمال الفكر، فالوحي لم يتوجه إلى الإنسان بوصفه كائناً مقلِّداً، وإنما باعتباره ذاتاً عاقلة تمتلك القدرةَ على الفهم والاستنباط والتمييز. ومن هنا نشأ الاجتهادُ باعتباره جهداً عقلياً يسعى إلى استكشاف الحكم الشرعي في الوقائع المستجدة، مستنداً إلى القيم والمقاصد الكبرى للشريعة، وإلى الوعي بتطور الأوطان والمجتمعات وتحولاتها. وقد شهدت القرون الأولى اتساعاً في دائرة الاجتهاد، خصوصاً مع اتساع المجتمعات المسلمة وتنوع البيئات والثقافات، فظهرت المدارس الفقهية والعقَدية، وتكوّنت المذاهب الكبرى بوصفها محاولات عقلية لفهم النص وتنزيله على الواقع.
غير أن التحول الخطير وقع حين انتقل العقل المسلم من حيوية الاجتهاد إلى سكون التقليد، فجرى التعامل مع اجتهادات الأسلاف بوصفها حقائق مكتملة ونهائية، وتراجع حضور العقل النقدي لصالح استعادة التراث كما هو، ضمن سياقات معاصرة مختلفة تماماً عن سياقات تشكله الأولى. وهنا بدأت أزمة العقل المعاصر، إذ أصبح المسلم يعيش بأسئلة عصره داخل أجوبة عصور سابقة، بينما كانت الحياة الإنسانية تتحرك بسرعة هائلة في ميادين العلم والسياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية.
وقد أدرك عدد من العلماء والمفكرين العرب المعاصرين خطورةَ هذه القطيعة مع الاجتهاد، فرأوا أن تعطيل العقل يعني تعطيل القدرة الحضارية للمجتمعات المسلمة، وأن استئناف النظر العقلي يمثل المدخل لأي مشروع.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
