ما أعرفه أن هناك اليوم في المغرب أجندة واحدة يفترض أنها تجمع الجميع، وهي أجندة الدولة. أجندة تقوم على التنمية، وعلى بناء مغرب قوي، متماسك، وصاعد إقليميا وقاريا، أجندة يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، من خلال رؤية واضحة لا تختزل التنمية في الارقام، بل تجعل منها مشروع مجتمعي متكامل، يربط بين الاقتصاد والعدالة الاجتماعية، وبين الاستثمار والاستقرار، وبين الحضور الدبلوماسي للمغرب ومصالحه الاستراتيجية، ولعل التحولات الكبرى التي عرفتها المملكة خلال السنوات الاخيرة، سواء في البنيات التحتية، او في جذب الاستثمارات، او في تعزيز موقع المغرب داخل إفريقيا، لم تكن وليدة الصدفة، بل نتيجة تصور دولة يشتغل بمنطق الاستمرارية والوضوح.
جلالة الملك نزل بكل ثقله في ملفات مصيرية، من قضية الصحراء المغربية الى توسيع الشراكات الإفريقية، حيث قام بعشرات الزيارات الى دول القارة، ووقع مئات الاتفاقيات التي جعلت من المغرب فاعلا اقتصاديا وتنمويا داخل إفريقيا، كما اطلق النموذج التنموي الجديد باعتباره خارطة طريق لمغرب المستقبل، مغرب تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومغرب الكرامة وفرص الشغل والعدالة الترابية، وجعل من العدالة الاجتماعية ركيزة اساسية في بناء الدولة الاجتماعية، عبر دعم الفئات الهشة، وتوسيع الحماية الاجتماعية، والانتصار للفئات المجتمعية التي ظلت لسنوات تعاني من التهميش والهشاشة، كما اطلق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية باعتبارها مشروعا مجتمعيا غير مسبوق لمحاربة الفقر والهشاشة والاقصاء، وعمل على تنزيل برامج التنمية المجالية المندمجة من اجل تحقيق التوازن بين المجالات، وفك العزلة عن العالم القروي، وتأهيل البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية، لذلك فالدولة اليوم تشتغل وفق رؤية استراتيجية طويلة النفس، هدفها بناء اقتصاد منتج، ومجتمع متوازن، ومؤسسات قوية قادرة على مواكبة التحولات الكبرى.
لكن، في المقابل، يلاحظ المغاربة وجود توجه اخر يتحرك في الاتجاه المعاكس، توجه يستنزف أجندة الدولة بدل ان يخدمها، ويحول المشاريع الكبرى الى فرص للاغتناء، ويستولي على ثمار التنمية لفائدة فئة ضيقة، بينما تتحمل الاغلبية كلفة الازمات والاختلالات، هناك من يتعامل مع الدولة كخزان للمصالح، لا كمشروع وطني جماعي، ومن يراكم الثروة والنفوذ عبر التحكم في الاسواق والصفقات والامتيازات، في تناقض واضح مع روح التوجيهات الملكية التي تشدد باستمرار على العدالة الاجتماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الريع والاحتكار.
ومن حق المغاربة اليوم ان يتساءلوا، بكل وضوح وجرأة، أي أجندة يشتغل وفقها هؤلاء؟ وهل يمكن ان ينجح مشروع الدولة في ظل وجود من يفرغه من مضمونه الاجتماعي والوطني؟ لأن اخطر ما يمكن ان تواجهه الدول ليس فقط ضعف الامكانيات، بل وجود قوى تستفيد من التنمية دون ان تؤمن بها، وتستثمر في الازمات بدل حلها، وتضع مصالحها الخاصة فوق المصلحة الوطنية، المغرب اليوم يحتاج الى انسجام حقيقي حول أجندة الدولة، لا الى من يحولها الى وسيلة لتضخيم الثروات، وتوسيع الفوارق، واضعاف الثقة في المؤسسات.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
