تمثل مشاركة سوريا الأولى في قمة مجموعة السبع «G7» منذ تأسيسها عام 1975 تطوراً سياسياً واقتصادياً بارزاً، يعكس تنامي الحضور السوري في النقاشات الدولية المرتبطة بالتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.
يأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات متزايدة في الممرات البحرية، خاصة مع استمرار تداعيات أزمة مضيق هرمز، ما أعاد الاهتمام بالمواقع الجغرافية البديلة القادرة على دعم حركة التجارة الإقليمية والدولية، حيث يرى خبراء اقتصاد لـ«إرم بزنس» أن مشاركة دمشق قد تمنح الاقتصاد السوري فرصة لتعزيز مسار الانفتاح والتقارب الدولي خلال المرحلة المقبلة، عبر الاستفادة من موقع البلاد الجغرافي وقدراتها اللوجستية لربط الأسواق الإقليمية بممرات التجارة العالمية.
دور استراتيجي بانتظار دمشق
تشارك دمشق بصفة ضيف في القمة التي تُعقد في الفترة من 15 إلى 17 يونيو 2026 في فرنسا، ويمثلها الرئيس أحمد الشرع، بحسب ما نقلته «رويترز» في 21 مايو الجاري، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة.
وتركز مشاركة سوريا في المحادثات على الأرجح على دور الدولة باعتبارها «مركزاً استراتيجياً محتملاً لسلاسل الإمداد» بعد أزمة مضيق هرمز التي أثرت على سلاسل الطاقة والغذاء منذ مارس الماضي، وفق حديث أحد المصادر.
وبعد أزمة «هرمز» عقب اندلاع حرب، بدأت دول عربية، بينها العراق، استخدام الأراضي السورية لنقل النفط والبضائع براً قبل إعادة شحنها عبر الموانئ السورية إلى الأسواق الأوروبية.
جزء من الحلول الجيوسياسية الطارئة
تلك المشاركة السورية، بحسب الأكاديمي والمستشار الاقتصادي السوري الدكتور زياد أيوب عربش، لـ«إرم بزنس»، ستحمل دمشق فيها كلمتين رئيسيتين: «مركز الإمداد» و«التعافي المستدام»، وبهما ستعود إلى اللعبة الكبرى عبر الموانئ والطرق والاقتصاد هذه المرة، وليس عبر المحاور العسكرية، لافتاً إلى أن حضور الشرع شخصياً خطوة يمكن تفسيرها بأنها رسالة غربية شرق أوسطية جديدة مفادها أن دمشق لم تعد على هامش النظام العالمي، بل أصبحت جزءاً من الحلول الجيوسياسية الطارئة.
المحور الأساسي الذي ستطرحه الرئاسة السورية في القمة لوجستي اقتصادي، عبر تقديم دمشق كمركز بديل واستراتيجي لسلاسل الإمداد العالمية، في ظل أزمة الملاحة البحرية الخانقة التي تتعرض لها المنطقة منذ إغلاق مضيق هرمز وتصاعد التوترات في البحر الأحمر، كما يتوقع عربش.
فالموقع الجغرافي الفريد لسوريا، المطل على البحر المتوسط عبر ميناءي اللاذقية وطرطوس، والمتصل بمناطق الشرق الأوسط والخليج عبر شبكة طرق برية، يعيد اليوم تعريف أهميته، خاصة في وقت تتعطل فيه القنوات البحرية التقليدية، ما قد يحول سوريا إلى بوابة عبور للبضائع بين الشرق والغرب، وهو ما تسعى دمشق لاستغلاله في القمة كورقة مهمة وفرصة استثمارية.
وتلك المشاركة، بحسب عربش، تُعد من ثمار التقارب الدولي الذي تحقق لسوريا منذ أواخر 2024 وحتى منتصف 2026.
وزير المالية لـ«إرم بزنس»: سوريا ستتحول لمركز مالي إسلامي إقليمي
أوضح أنه في المجال التجاري، تم فتح خطوط ائتمان تجارية مع أربع دول أوروبية هي إيطاليا وفرنسا واليونان ومالطا، خُصصت بشكل أساسي لاستيراد الحبوب والأدوية والمواد الأساسية، أما في قطاع الاستثمار، فقد جرى توقيع ثلاث مذكرات تفاهم مع ائتلافات استثمارية تجمع شركات خليجية وأوروبية، تستهدف إعادة تأهيل ميناء طرطوس ومطار دمشق الدولي، إلى جانب إنشاء منطقة لوجستية حرة قرب الحدود مع لبنان، إضافة إلى عودة خمسة مصارف سورية (خاصة ومختلطة) إلى نظام المراسلة المصرفية مع بنوك فرنسية وإيطالية، وإن كان ذلك بشكل تجريبي ومحدود.
ومن المتوقع أن تطرح الدول الغربية الأعضاء في مجموعة السبع (الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، اليابان) ثلاثة شروط رئيسية لأي اندماج اقتصادي كامل لسوريا، تتمثل في تعزيز الشفافية والمساءلة في إعادة الإعمار، والتزام سوري قابل للقياس بالإصلاحات النقدية والمالية، وضمانات بعدم عودة التصعيد العسكري أو استخدام الأراضي السورية لتهديد جيرانها.
أما سوريا، فستطلب في المقابل جدولاً زمنياً واضحاً لتفعيل مشاريع إعادة الإعمار الكبرى وبدءاً فورياً لمشاريع البنية التحتية، وفق الأكاديمي والمستشار الاقتصادي السوري الدكتور زياد أيوب عربش.
لكن التحدي الأكبر، بحسب عربش، يكمن في السرعة والمصداقية، خاصة في ظل أزمة سلاسل الإمداد العالمية والفراغ الجيوسياسي المتسارع، لافتاً إلى أنه إذا نجحت سوريا في إقناع قادة السبع بأنها جاهزة لأن تكون جزءاً من الحل لا المشكلة، فإن النافذة الحالية قد تتحول إلى تحول هيكلي دائم، وإلا ستبقى سوريا رهينة انتظار انفتاح دولي آخر.
فرص منتظرة
بدوره، قال مدير مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية في اتحاد غرف التجارة السورية محمد غزال، في حديث لـ«إرم بزنس»، إن المشاركة الأولى لسوريا في هذه القمة تحمل دلالات مهمة تنعكس في اتجاهين رئيسيين.
الاتجاه الأول يتعلق بالموقع الاستراتيجي لسوريا، بعدما أصبحت نقطة التقاء وجزءاً من الحل لا من المشكلة، موضحاً أنه بعد أن كانت تصدّر المشكلات، تتقاطع عندها اليوم مصالح الدول المحيطة بها، المرتبطة بمضيق هرمز والتوترات الإقليمية، وتمثل هذه العوامل محفزات قوية لإبراز أهمية سوريا الجغرافية وما تشملُه من خطوط لنقل الطاقة وحركة الترانزيت.
موظف مكتب صرافة في العاصمة السورية دمشق يعد أوراقاً نقدية من الليرة السورية الجديدة فئة 500 - يوم 3 يناير 2025.
وتتيح شبكة السكك الحديدية التي تربط بين تركيا وسوريا والأردن والسعودية فرصة لتطوير هذا الحيز الجغرافي، بما يشمل الموانئ البحرية وحركة التجارة الدولية عبر سوريا، بحسب غزال.
أما الاتجاه الآخر، فيتمثل في الرفع التدريجي للعقوبات عن سوريا، وهو ما يشكل الركيزة الثانية لوجودها في هذا المؤتمر الدولي، فبعد أن كانت معزولة، أصبحت اليوم جزءاً من المنظومة المالية والاقتصادية.
بناءً على ذلك، فإن حضور سوريا يهدف بشكل أساسي إلى الترويج لها كمركز لوجستي عالمي للإمداد، وكمعبر تجاري بري وبحري يربط موانئ البحر المتوسط بالخليج العربي والعراق والأردن وتركيا.
ويعتقد غزال أن أي قطار أو شاحنة تتجه شمالاً لن تقتصر وجهتها على تركيا، بل ستصل إلى أوروبا، وكذلك في الاتجاه جنوباً، إذ لن تكتفي بالوصول إلى الأردن، بل ستمتد إلى الخليج وما بعده.
ويخلص غزال إلى أن هذه المؤشرات تعكس تعافياً تدريجياً في الحالة الاقتصادية السورية وبدء جني ثمار الانفتاح الدولي.
انفتاح اقتصادي دولي
في 25 مايو، كشف وزير المالية السوري محمد يسر برنية في حوار مع «إرم بزنس» أن البنك الدولي وافق رسمياً على تمويل أول مشروعين في قطاعي المياه والصحة بقيمة 225 مليون دولار، مع آليات رقابية صارمة لضمان الحوكمة والشفافية.
أشار إلى أن محفظة المشاريع الدولية قيد الدراسة تضم حالياً 11 مشروعاً حيوياً بقيمة تقارب 1.4 مليار دولار، تشمل قطاعات البنية التحتية وشبكات المياه والطاقة والخدمات الأساسية، مع تفاؤله بالمرونة والإشادة الدولية التي لمستها الحكومة خلال اجتماعاتها الأخيرة في واشنطن.
وكشف برنية أن المباحثات مع «صندوق النقد الدولي» ركزت على تسريع الخطوات التنفيذية للوصول إلى حساب الخزينة الموحد وتوحيد حسابات القطاع العام، بما ينهي حالة تشتت السيولة النقدية داخل البنوك ويرفع كفاءة الإنفاق الحكومي، بهدف بناء موازنة عام 2027 على أسس الكفاءة والشفافية والانضباط المالي.
أزمة مضيق هرمز.. سوريا تتحرك عبر لعبة الموانئ
ووقّعت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا اتفاقاً مع مجموعة الشحن والخدمات اللوجستية الفرنسية «سي.إم.إيه سي.جي.إم» لتشغيل ميناءين جافين داخل المناطق الحرة في عدرا بضواحي دمشق وفي حلب، بالتزامن مع إطلاق قطار شحن تجريبي يربط ميناء اللاذقية، وهو المنفذ البحري الرئيسي لسوريا، بعد توقف دام 14 عاماً بسبب الحرب، بحسب ما نشرته «رويترز» في 22 مايو الجاري.
يأتي ذلك في أعقاب اتفاقية منفصلة وُقّعت في مايو 2025، حصلت بموجبها الشركة نفسها على عقد لمدة 30 عاماً لتحديث وتشغيل ميناء اللاذقية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

