مدحت نافع يكتب: اقتصاديات الأعياد وطوابير الصراف الآلى

إذا كان المصريون قد سحبوا من ماكينات الصراف الآلى (للبنك الأهلى) نحو تسعة مليارات جنيه خلال اليومين السابقين على عيد الأضحى المبارك، بينما يقل المعدل الطبيعى للسحب النقدى عن نصف هذا الرقم، فإن المسألة تتجاوز مجرد ضغط موسمى على السيولة أو ازدحام متوقّع أمام الماكينات. فنحن هنا أمام مشهد اقتصادى واجتماعى كثيف الدلالات، يشفّ عن طبيعة العلاقة القلقة بين المواطن المصرى ودخله، ويعكس فى الوقت نفسه حجم التحوّلات التى أصابت الطبقة الوسطى خلال السنوات الأخيرة، وحدود ما تحقق فعلياً من الشمول المالى فى مجتمع لا يزال ينظر إلى النقدية باعتبارها ملاذاً للأمان النفسى قبل أن تكون محض وسيلة للدفع.

كتبت كثيراً عن «اقتصاديات المناسبات» والعادات الاستهلاكية المرتبطة بالأعياد والمواسم الدينية فى مصر، وكيف تتحول تلك المناسبات إلى دورات اقتصادية واجتماعية متكاملة تعيد تشكيل أنماط الإنفاق والادخار والسلوك الجمعى. وكان التركيز فى تلك المقالات منصبّاً على الكيفية التى تدفع بها مواسم مثل رمضان والأعياد الأسواق إلى حالة من النشاط الاستثنائى، وما يصاحب ذلك من تضخم فى الإنفاق الموسمى حتى لدى الشرائح محدودة الدخل. غير أن المشهد اليوم يبدو أكثر تعقيداً وإيلاماً؛ إذ لم تعد المناسبات مجرد مواسم للاستهلاك أو البهجة العابرة، بل تحولت إلى مرآة تكشف التآكل الصامت للطبقة الوسطى المصرية، واختباراً قاسياً لقدرتها على التمسك بالحد الأدنى من «الستر الاجتماعى» فى مواجهة ضغوط معيشية متفاقمة. وربما لا يوجد مشهد أكثر تعبيراً عن هذا التحول من طوابير المواطنين أمام ماكينات الصراف الآلى قبيل الأعياد والمناسبات الكبرى. فعلى الرغم من سنوات طويلة من الحديث الرسمى عن الشمول المالى، والتحول الرقمى، وتقليل الاعتماد على النقد، لا تزال لحظة صرف المرتبات أو المعاشات أو المكافآت الموسمية تتحول إلى حالة جماعية من القلق والترقب والازدحام. واللافت هنا أن الأزمة ليست تقنية فقط، بل اجتماعية واقتصادية فى جوهرها.

فالطوابير أمام ماكينات الصراف الآلى ليست مجرد انعكاس لضغط موسمى أو نقص نسبى فى عدد الماكينات، بل تعبير عن اقتصاد تتزايد فيه الحاجة إلى السيولة الفورية لدى قطاعات واسعة من المواطنين. ففى المجتمعات التى تتمتع بقدر أعلى من الاستقرار الاقتصادى، تتراجع الحساسية تجاه الاحتفاظ بالنقد، ويصبح الدفع الإلكترونى امتداداً طبيعياً لثقة الأفراد فى دخولهم المستقبلية. أما حين تتسارع الأسعار وتتآكل القدرة الشرائية، فإن الحصول على النقد ذاته يتحول إلى سلوك دفاعى تمارسه الأسر تحسباً لأى طارئ أو قفزة جديدة فى تكلفة المعيشة.

ولهذا فإن تزايد السحب النقدى لا يُفهم كاستجابة موسمية لضغط الأعياد أو ازدحام ماكينات الصراف الآلى، بل كتحول فى أسلوب إدارة الدخل لدى الأسر ذات الدخول الثابتة. فالرصيد البنكى لم يعد يُعامل كقيمة قابلة للاحتفاظ، بل كرصيد يُفضَّل تحويله سريعاً إلى سيولة تُوزَّع فوراً على التزامات محددة: إيجار، أقساط، مصروفات تعليم، واحتياجات معيشية لا تحتمل التأجيل، فى ظل بيئة سعرية تقل فيها القدرة على التخطيط المتوسط والطويل الأجل.

ومن هنا فإن مشهد.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة المصري اليوم

منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ ساعة
منذ 9 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 5 ساعات
بوابة الأهرام منذ ساعة
بوابة الأهرام منذ 18 ساعة
مصراوي منذ 13 ساعة
بوابة الأهرام منذ 4 ساعات
موقع صدى البلد منذ 5 ساعات
بوابة أخبار اليوم منذ 13 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 13 ساعة
بوابة الأهرام منذ 23 ساعة