محمد صالح في كواليس صناعة القرار الاستراتيجي، حيث تُصاغ السياسات الكبرى وتُبنى الرؤى العابرة للقطاعات، لم يعد التحدي الأكبر في شحّ البيانات أو ضعف أدوات التحليل أو غياب الخبراء. على العكس تماماً، نحن نعيش اليوم في عالم تتدفق فيه البيانات بغزارة، وتزداد فيه أدوات القياس والتحليل تطوراً، وتتشكل حول القرارات الكبرى طبقات متراكمة من الخبرة والاستشارات والنماذج الفنية والاقتصادية. غير أن هذه الوفرة ذاتها قد تصبح أحياناً جزءاً من المشكلة، بل ربما تتحول إلى غطاء ناعم يخفي تحت سطحه هشاشة عميقة في طريقة التفكير.
ما يقلقني في بعض بيئات التخطيط رفيعة المستوى ليس غياب العقلانية، بل الإفراط المنظم في استخدامها لتبرير ما تقرر مسبقاً. هنا يظهر ما يمكن تسميته بفخ الكفاءة المعرفية، حين تمتلك المنظومة من الأدوات والخبرات واللغة الفنية ما يكفي لبناء استراتيجية متماسكة، مقنعة، قابلة للتسويق، لكنها قد تكون مبنية على انتقاء واعٍ لما يخدم الفرضية، وتحييد هادئ لما يهددها.
في هذه اللحظة، لا يعود التخطيط أداة لفهم الواقع واستشراف المستقبل، بل يتحول إلى هندسة متطورة لعقلنة الرغبة المؤسسية أو الشخصية. تبدأ المؤسسة أو المسؤول بفكرة كبرى أو طموح مشروع، ثم تُسخّر حوله البيانات والمصفوفات والتحليلات إلى أن يبدو المسار وكأنه النتيجة الطبيعية الوحيدة للعقل والمنطق. لكن السؤال الأخطر يبقى: هل قادتنا الأدلة فعلاً إلى هذا الخيار، أم أن الخيار سبق الأدلة ثم استدعاها لتقف في صفه؟
أحيانًا عندما تتبنى المنظومات فرضية استراتيجية كبرى، ينشط داخل عقلها المؤسسي ما يعرف بالتفكير الدافعي. لا تعود الحقائق وحدها هي التي تقود النقاش، بل تتدخل الرغبات، والمصالح، والاستثمارات السابقة، والتوقعات السياسية، في تشكيل الطريقة التي تُقرأ بها المعلومات. وهكذا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
