إسراء الردايدة عمان - تتشكّل السينما الكيرغيزية من جغرافيا صعبة وذاكرة شفوية طويلة. ففي بلد تحكمه جبال تيان شان الوعرة والسهوب الشاسعة، ظلت ملحمة "Manas" لسنوات طويلة المخزن الأكبر للهوية والتاريخ، قبل أن يأتي القرن العشرون ويمنح الكيرغيز لغة جديدة للسرد هي السينما.
بدأت هذه السينما داخل المنظومة السوفييتية كإنتاج محدود يغلب عليه الطابع التسجيلي والدعائي، ثم تطوّرت لاحقاً إلى تجربة فنية مستقلة نسبياً، استطاعت أن تفرض حضورها في المهرجانات الدولية، وتقدّم صورة خاصة عن الإنسان والطبيعة والتحوّل الاجتماعي في آسيا الوسطى.
لم تكن كيرغيزستان تمتلك تقليداً سينمائياً حقيقياً قبل انضمامها إلى الاتحاد السوفييتي، سوى زيارات متقطعة لفرق تصوير روسية وثّقت الحياة في الجمهوريات الطرفية. وفي عام 1941 افتُتحت في مدينة فرونزه التي تُعرف اليوم ببيشكيك استوديوهات للأخبار السينمائية والأفلام التسجيلية، ركّز إنتاجها على تمجيد الثورة وتصوير حياة الكولخوزات ومشاريع التحديث الاشتراكي. كانت هذه الأفلام جزءاً من دعاية مركزية قادمة من موسكو، ولم يكن ثقل الهوية الكيرغيزية فيها يتجاوز الإطار الفولكلوري والأزياء التقليدية.
غير أن البذور الحقيقية للسينما الكيرغيزية نمت في منتصف الخمسينيات، حين بدأت موسكو ترسل شباب الجمهوريات السوفييتية إلى معهد السينما الحكومي VGIK، ذلك الصرح الذي تخرّج فيه أجيال من كبار المخرجين. عاد هؤلاء الشبان الكيرغيز بأدوات الصنعة السينمائية الحديثة، لكنهم عادوا أيضاً بحنين عميق إلى الجبال والخيول والقرى التي تركوها وراءهم، ورغبة في جعل الكاميرا وسيلة لاستعادة عالم مهدد بالانمحاء.
الموجة الجديدة: حين ولدت كيرغيز فيلم
في عام 1961 تأسست شركة "كيرغيز فيلم" كاستوديو وطني داخل المنظومة السوفييتية، وكانت هذه نقطة التحول الكبرى في تاريخ السينما الكيرغيزية. انطلق الجيل الجديد من المخرجين في صناعة أفلام تختلف جذريا عما سبقها: ليست دعاية سياسية ثقيلة، ولا تقليدا لسينما المدن الكبرى، بل سينما تتنفس هواء الجبال، تتحدث بلغة الناس البسطاء، وتطرح اسئلة فلسفية عن الإنسان والطبيعة والزمن والخسارة.
المفارقة أن هذه السينما كانت سوفييتية في شكلها الرسمي، تخضع للقوانين وحدود الرقابة، لكنها كانت كيرغيزية في روحها وجوهرها. استخدم المخرجون الذكاء والجماليات البصرية ولغة الاستعارة والرمز كي يتحدثوا عن الفقدان والقمع والحنين إلى عالم رحل، من دون مواجهة مباشرة مع السلطة.
العمود الروحي: تشنغيز إيتماطوف
لا يمكن الحديث عن السينما الكيرغيزية دون الوقوف امام اسم تشنغيز إيتماطوف، الروائي الكيرغيزي الأبرز في القرن العشرين. ولد عام 1928 لأب تمت تصفيته في زمن ستالين، ونشأ في قرية جبلية، وكتب باللغتين الكيرغيزية والروسية، ليصبح صوتا خاصا في الأدب السوفييتي والعالمي، قبل أن يضطلع بدور مهم داخل مؤسسة "كيرغيز فيلم".
رواياته وقصصه كانت المادة الخام لعدد كبير من أهم أفلام هذه السينما: "المعلم الأول"، "وداعا غولساري"، "السفينة البيضاء"، "يومان"، وغيرها من الأعمال التي تمزج بين الواقعية الصارمة، والأساطير الشعبية، والتأمل الوجودي في معنى الكرامة الإنسانية والذاكرة. حين تحولت هذه النصوص إلى أفلام، لم تفقد كثافتها، بل اكتسبت بعدا بصريا جعل من الطبيعة الكيرغيزية شريكا كاملا في الرواية، وكرس مكانة إيتماطوف بوصفه العمود الروحي للصورة كما هو للكلمة.
العصر الذهبي
بلغت السينما الكيرغيزية ذروتها في السبعينيات والثمانينيات، وهي فترة يسميها بعض الباحثين "المعجزة الكيرغيزية". في هذه المرحلة برز اسم بولوت شامشييف، الذي قدم أفلاما أصبحت من كلاسيكيات السينما السوفييتية الشرقية، من بينها أعمال مقتبسة عن إيتماطوف تعمق الصراع بين عالم الرعاة القديم وعالم التحديث الاشتراكي، عبر شخصيات إنسانية مكسورة ومتشبثة في آن واحد بجذورها.
إلى جانبه يبرز تولوموش أوكيف، الذي اشتغل على التاريخ والملحمة الكيرغيزية، ونجح في ترجمة الموروث الشفهي لملحمة "ماناس" إلى لغة سينمائية تجعل من الجبل والخيول والماء المتدفق رموزا للهوية. وفي الخلفية تحضر تجربة لاريسا شيبيتكو، المخرجة الأوكرانية التي صورت فيلمها "الحرارة" في السهوب الكيرغيزية، ثم حققت "الصعود" الذي فاز بالدب الذهبي في برلين عام 1977، في دليل على أن إلهام الشرق السوفييتي كان يصل إلى قلب السينما العالمية.
في أفلام هذا الجيل يمكن تمييز بعض السمات التي ستبقى لاحقا علامة للسينما الكيرغيزية: إيقاع بطيء يشبه إيقاع الطبيعة لا المدينة، صمت طويل يسبق أو يغني عن الحوار، تصوير في الهواء الطلق يجعل من المكان شخصية درامية، واشتباك دائم بين الحنين والحداثة، بين الخيمة والعمارة الإسمنتية.
انهيار السوفييت والولادة الثانية
حين انهار الاتحاد السوفييتي عام 1991، كان ذلك حدثا صادما للسينما الكيرغيزية. تراجع التمويل العام، وتوقفت منظومة التوزيع القديمة، وأغلقت دور عرض أو تحولت إلى متاجر ومستودعات، وبدت استوديوهات "كيرغيز فيلم" وكأنها أطلال عصر قديم. في التسعينيات، كاد الإنتاج الروائي الطويل أن يتلاشى، وهاجر بعض الفنيين أو انتقلوا إلى التلفزيون والإعلان، وظهر أن ما عرف بالمعجزة الكيرغيزية كان مجرد فصل قصير في تاريخ السينما.
لكن من قلب هذه الأزمة ظهرت ملامح ولادة ثانية، مع جيل جديد يعمل بميزانيات صغيرة، ويعتمد على دعم المهرجانات وصناديق التمويل الدولية، ويصور في القرى والشوارع بكاميرات خفيفة، مستندا في الوقت نفسه إلى الحساسية البطيئة التأملية التي ورثها عن الجيل السابق.
أكتان أريم كوبات: شاعر ما بعد الاستقلال
يمثل أكتان.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
