تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقاومة متزايدة من عدد من الحكومات الأفريقية بسبب شروط جديدة تربط المساعدات الصحية بالحصول على بيانات صحية حساسة، وفي بعض الحالات بإتاحة الوصول إلى الموارد المعدنية الاستراتيجية؛ ما أثار جدلاً واسعاً بشأن السيادة الوطنية وحدود النفوذ الأمريكي في القارة.
وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، أن عدداً من الدول الأفريقية بدأ إبداء اعتراضات متزايدة على النهج الذي تبنته إدارة ترامب في ملف المساعدات الخارجية، بعد عام من إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية "USAID" وإنهاء عقود من السياسة الأمريكية التقليدية القائمة على تقديم الدعم للدول الفقيرة دون شروط مرتبطة بالمصالح الاقتصادية المباشرة.
وبحسب الصحيفة، وافقت نحو 24 دولة في أفريقيا جنوب الصحراء على الشروط الأمريكية الجديدة ووقعت اتفاقيات لاستمرار تمويل برامج مكافحة الإيدز والسل والملاريا، من بينها اتفاق بقيمة 900 مليون دولار يمتد لخمس سنوات مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تواجه حالياً تفشياً خطيراً لفيروس إيبولا.
وجاء الاتفاق مع الكونغو الديمقراطية بعد أشهر قليلة من توقيعها اتفاقاً منفصلاً مع الولايات المتحدة بشأن المعادن، في خطوة تعكس الترابط المتزايد بين المساعدات والتنمية من جهة، والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية الأمريكية من جهة أخرى.
زامبيا في مواجهة واشنطن
في المقابل، رفضت أو أبطأت دول مثل زيمبابوي وغانا وزامبيا مسار المفاوضات مع واشنطن، اعتراضاً على ما تصفه الإدارة الأمريكية بسياسة "أمريكا أولاً" للمساعدات الخارجية، والتي تهدف إلى ربط الدعم الصحي بالأهداف الأمنية والدبلوماسية الأمريكية.
وتعثرت المفاوضات مع زامبيا بشأن عرض مساعدات أمريكي تبلغ قيمته ملياري دولار، بعدما اعتبرت الحكومة الزامبية أن المطالب الأمريكية المتعلقة باتفاق للمعادن الحيوية، ومنح الشركات الأمريكية معاملة تفضيلية، وإتاحة الوصول إلى بيانات صحية خاصة، تمثل شروطاً غير مقبولة.
وقال وزير الخارجية الزامبي مولامبو هايمبي إن بلاده "ملزمة بحماية مصالح شعبها، تماماً كما تحمي الولايات المتحدة مصالح مواطنيها"، مؤكداً أن المفاوضات تعكس هذه الحقيقة.
وجاءت تصريحاته بعد انتقادات وجهها السفير الأمريكي السابق لدى لوساكا مايكل غونزاليس، الذي اتهم مسؤولين زامبيين بالفساد وعدم التجاوب مع المبادرات الأمريكية، معتبراً أن السلطات تسمح للولايات المتحدة بتمويل الرعاية الصحية بينما يتم تحويل أموال حكومية إلى مصالح خاصة.
وفي نيسان/ أبريل الماضي، طالب ثلاثة أعضاء ديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي وزير الخارجية ماركو روبيو برفض مقترح داخل وزارة الخارجية يقضي بحرمان أكثر من مليون مريض بفيروس نقص المناعة البشرية في زامبيا من العلاج ما لم توافق البلاد على منح الشركات الأمريكية امتيازات خاصة للوصول إلى احتياطيات النحاس.
وأشار أعضاء مجلس الشيوخ إلى أن برنامج الرئيس الأمريكي الطارئ للإغاثة من الإيدز "بيبفار"، الذي أُطلق خلال ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، أسهم في إنقاذ نحو 25 مليون شخص من خلال توفير العلاج المجاني والأدوية للمرضى حول العالم.
اتفاقيات سرية ومخاوف قانونية
وأفادت "وول ستريت جورنال" بأن إدارة ترامب أبقت تفاصيل الاتفاقيات المقترحة والموقعة مع عدد من الدول طي الكتمان، رغم تداول بعض المسودات عبر الإنترنت.
ورفعت منظمة "بابليك سيتيزن" الأمريكية دعوى قضائية ضد وزارة الخارجية للمطالبة بالكشف عن تفاصيل الاتفاقيات، فيما لا تزال القضية منظورة أمام القضاء الفيدرالي.
كما لجأت منظمات حقوقية في زامبيا وأحد أعضاء البرلمان في كينيا إلى القضاء للطعن في المفاوضات الجارية مع واشنطن، بحجة غياب الشفافية وعدم وضوح الالتزامات المالية المترتبة على هذه الاتفاقيات.
ووفقاً لمؤسسة "كيه إف إف" المتخصصة في السياسات الصحية، فإن الاتفاق المقترح مع كينيا يتطلب من نيروبي تخصيص نحو 850 مليون دولار من مواردها الذاتية مقابل الحصول على 1.6 مليار دولار من المساعدات الأمريكية، وهو ما يثير مخاوف بشأن الضغوط الإضافية على المالية العامة للدولة.
نموذج جديد للمساعدات
تشير الصحيفة إلى أن إدارة ترامب استبدلت نموذج المساعدات التقليدي باتفاقيات صحية ثنائية مباشرة بين الحكومات، تقوم على تقاسم المسؤوليات والتزامات مالية متبادلة.
وتقدر مؤسسة "كيه إف إف" أن الاتفاقيات التي تم توقيعها حتى الآن قد توفر نحو 13 مليار دولار من التمويل الأمريكي لـ32 دولة خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو ما يمثل انخفاضاً بنحو الثلث مقارنة بما حصلت عليه الدول نفسها خلال السنوات الخمس السابقة.
كما أظهر تحليل صادر عن مركز التنمية العالمية أن الجزء الأكبر من التمويل سيُصرف خلال السنوات الأولى من الاتفاقيات قبل أن يتراجع بوتيرة متسارعة لاحقاً.
في المقابل، تلزم الاتفاقيات الدول المستفيدة بضخ ما مجموعه 7.5 مليار دولار من مواردها الخاصة لدعم الإنفاق الصحي إلى جانب التمويل الأمريكي.
ودافع متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية عن النهج الجديد، معتبراً أن النموذج السابق كان أشبه بـ"دعم مفتوح النهاية" يفتقر إلى المساءلة وخطط الاستدامة، بينما تدفع الاتفاقيات الحالية الدول الشريكة إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أنظمتها الصحية وتقليل الاعتماد طويل الأمد على التمويل الأمريكي.
إيبولا يفرض استثناءات
رغم تشدد الإدارة الأمريكية في شروط التمويل، دفعت التطورات الصحية المتسارعة واشنطن إلى اتخاذ خطوات عاجلة لمواجهة المخاطر الوبائية.
فقد تعهدت وزارة الخارجية الأمريكية مؤخراً بتقديم 112 مليون دولار للمساعدة في احتواء تفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
كما توصلت الولايات المتحدة إلى اتفاق لإنشاء مستشفى ميداني في كينيا لعزل وعلاج المواطنين الأمريكيين المحتمل تعرضهم للفيروس بدلاً من إعادتهم جواً إلى الولايات المتحدة، غير أن محكمة كينية أوقفت المشروع مؤقتاً لحين البت في الطعون القانونية المقدمة ضده.
جدل حول البيانات الصحية
تبرر إدارة ترامب مطالبتها بالحصول المباشر على البيانات الصحية من الحكومات الأجنبية بالحاجة إلى مراقبة الأمراض العابرة للحدود واحتواء الأوبئة قبل وصولها إلى الأراضي الأمريكية، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية العام الماضي.
إلا أن هذه المطالب أثارت مخاوف واسعة في أفريقيا بشأن السيادة على البيانات الصحية والعينات البيولوجية.
وكانت زيمبابوي أول دولة ترفض رسمياً عرضاً أمريكياً للمساعدات الصحية بلغت قيمته نحو 325 مليون دولار، بسبب مطالب تتعلق بالحصول على بيانات صحية حساسة لأغراض بحثية وتجارية دون ضمانات واضحة بعودة المنافع على السكان المحليين.
كما انسحبت غانا من مفاوضات مماثلة بسبب مخاوف مرتبطة بخصوصية المعلومات الصحية التي طلبتها واشنطن مقابل تقديم المساعدات.
في المقابل، رحبت بعض الحكومات بالاتفاقيات الجديدة. وقالت المسؤولة الصحية الأوغندية ديانا أتواين إن النموذج الجديد يمنح الحكومات سيطرة أكبر على آليات الإنفاق والتوظيف، ويحد من استقطاب المنظمات الدولية للكوادر الصحية الحكومية عبر تقديم رواتب أعلى.
وأضافت أن أوغندا كانت تتبادل بالفعل بعض البيانات الصحية مع الولايات المتحدة في إطار ترتيبات سابقة للمساعدات.
نيجيريا والمساعدات المشروطة
في نيجيريا، ربطت واشنطن اتفاق مساعدات بقيمة ملياري دولار بالتزام الحكومة النيجيرية بحماية المجتمعات المسيحية من الجماعات المتطرفة.
وكان ترامب اتهم السلطات النيجيرية العام الماضي بالتقصير في حماية المسيحيين، إلا أن العلاقات بين البلدين شهدت تحسناً لاحقاً مع تنسيق مشترك في عمليات استهدفت مواقع مرتبطة بتنظيم داعش داخل نيجيريا.
وحذر الرئيس التنفيذي لمؤسسة "أمريف هيلث أفريقيا من أن التخلي عن البيانات الصحية وبيانات العينات البيولوجية قد يضعف الموقف التفاوضي للدول الأفريقية مستقبلاً في ما يتعلق بالحصول على اللقاحات والعلاجات الجديدة ضمن برامج تقاسم المنافع التي تشرف عليها منظمة الصحة العالمية.
هذا المحتوى مقدم من قناة الرابعة
