قانون الهيئات الرياضية.. اختبار بين الدعم والاستدامة

د. سليمان بن علي البلوشي

لم تكن أزمة الرياضة العُمانية يومًا مجرد نقص في التمويل، بل أزمة نموذج ظل لعقود قائمًا على الإنفاق الحكومي أكثر من قيامه على الإنتاج والاستدامة؛ فسلطنة عُمان تمتلك منشآت رياضية موزعة على مختلف المحافظات، وموقعًا قادرًا على جذب السياحة الرياضية والفعاليات، إضافة إلى مجتمع ترتبط الرياضة فيه بالحياة اليومية والهوية المحلية. ومع ذلك، بقي المجال الرياضي عاجزًا عن التحول إلى اقتصاد قادر على إنتاج موارده وبناء دورة مالية مستقلة.

ولا ترتبط الأزمة فقط بضعف النموذج الاقتصادي، بل أيضًا بطبيعة البنية الرياضية نفسها. فبعض المنشآت تعاني تفاوتًا في الجودة والكفاءة، كما أن جزءًا منها لم يُصمم وفق منطق الاقتصاد الرياضي الحديث. وفي المقابل، أصبح التمويل الحكومي، الذي شكّل لعقود العمود الفقري للرياضة العُمانية، يواجه ضغوطًا متزايدة مع تراجع أسعار النفط وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام؛ ما دفع الدولة تدريجيًا إلى مراجعة فلسفة الدعم التقليدي.

من هنا، لا يبدو قانون الهيئات الرياضية الجديد الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 59/2026 مجرد تعديل تشريعي عابر، بل جزءًا من محاولة أوسع لإعادة تعريف موقع الرياضة داخل الدولة العُمانية. فالقانون لا يقتصر على إعادة تنظيم اللوائح، بل يعكس اتجاهًا لنقل الرياضة من نموذج يقوم على الرعاية الحكومية إلى نموذج مؤسسي يرتكز على الحوكمة والكفاءة والاستدامة المالية.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن رؤية عُمان 2040، التي تنظر إلى الرياضة باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا قادرًا على الإسهام في النمو وتعزيز التنافسية، لا مجرد نشاط اجتماعي يعتمد على الدعم الحكومي. ولهذا وضعت الرؤية ضمن مستهدفاتها بناء «بيئة وأنظمة محفزة لرياضة مساهمة اقتصاديًا ومنافسة عالميًا». كما لم تعد الصناعة الرياضية محصورة في المنافسة داخل الملاعب، بل تحولت إلى منصة اقتصادية متداخلة مع قطاعات السياحة والترفيه والتكنولوجيا والإعلام، بما يعكس اتجاهًا عالميًا يتعامل مع الرياضة بوصفها صناعة إنتاجية واستثمارية واسعة الأثر.

ويكشف القانون بوضوح عن رغبة الدولة في تحويل الأندية من مؤسسات تعتمد على الإعانة إلى كيانات أكثر قدرة على الاستثمار والتسويق وتنمية مواردها الذاتية. وهذا التوجه لا يبدو استثنائيًا دوليًا، فالكثير من الدول التي انتقلت من نموذج «الدولة الراعية» إلى «الدولة المنظمة» أعادت هيكلة قطاعاتها الرياضية عبر تقليص الاعتماد على التمويل الحكومي المباشر، مقابل توسيع دور الحوكمة والاستثمار والقطاع الخاص. وقد برز ذلك بوضوح في التجربة البريطانية بعد التحولات الاقتصادية في الثمانينيات، خصوصًا مع إعادة هيكلة الرياضة الاحترافية وتوسيع دور السوق داخل المؤسسات الرياضية.

لكن التجارب الدولية تُظهر أن الاقتصاد الرياضي لا يُبنى بالنصوص القانونية وحدها، بل بقدرة السوق على إنتاج قيمة حقيقية، كما أن نجاح هذا التحول يتطلب توازنًا دقيقًا بين الكفاءة الاقتصادية والحفاظ على الدور المجتمعي للمؤسسات الرياضية. وفي هذا المعنى، لا يكشف القانون الجديد عن تحول في إدارة الرياضة فحسب، بل عن تحول أوسع في فلسفة الدولة نفسها؛ انتقال تدريجي من الإدارة المباشرة والتمويل المستمر إلى التنظيم والحوكمة وترشيد الإنفاق العام.

كيف فقدت الأندية علاقتها بالمجتمع؟

لوقت طويل، عملت الأندية الرياضية العُمانية باعتبارها امتدادًا اجتماعيًا للمجتمعات المحلية المحيطة بها. ولم تكن شرعيتها مستمدة من النشاط الرياضي وحده، بل أيضًا من حضورها المحلي وقدرتها على تمثيل البيئة التي تنتمي إليها... لكن خلال العقدين الأخيرين، فقدت كثير من الأندية جزءًا كبيرًا من هذه العلاقة العضوية، وتحولت تدريجيًا إلى مؤسسات شبه معزولة تتحرك داخل إطار إداري مغلق يعتمد على اللوائح المركزية والدعم الحكومي أكثر من اعتماده على التفاعل المجتمعي المباشر.

ومع تراجع الزخم الاجتماعي داخل الأندية، اتسعت المسافة بينها وبين محيطها المحلي، حتى بدت بعض المؤسسات الرياضية منفصلة عن المجتمع الذي يفترض أنها تمثله. وفي المقابل، تمددت الفرق الأهلية داخل المساحة التي انسحبت منها الأندية، واستعادت حضورًا شعبيًا لافتًا وقدرة أكبر على التعبئة والانتماء المحلي، لا لأنها أكثر ثراءً أو تنظيمًا، بل لأنها بقيت أقرب إلى المجتمع نفسه. وهنا تظهر إحدى أبرز مفارقات المشهد الرياضي العُماني؛ فبينما احتفظت الأندية بالشرعية القانونية، احتفظت الفرق الأهلية بجانب مهم من الشرعية الاجتماعية.

الرياضة تحت الإدارة المركزية

رغم تقديم الأندية الرياضية العُمانية غالبًا بوصفها مؤسسات أهلية، فإنها ظلت عمليًا جزءًا من البنية الإدارية التي تديرها الدولة وتشرف عليها تنظيميًا وماليًا. فالحكومة تضع التشريعات واللوائح، وتحدد شكل الإدارة الرياضية، وتتحكم بدرجة كبيرة في طبيعة العلاقة بين الأندية والمشهد الرياضي ككل.

لكن المشكلة أن الأندية أُديرت طويلًا باعتبارها وحدات إدارية أكثر من كونها مؤسسات اجتماعية مستقلة. ومع غياب الرؤية المؤسسية طويلة المدى، وضعف الاستثمار في بناء إدارة رياضية حديثة، دخل كثير من.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الرؤية العمانية

منذ 11 ساعة
منذ 9 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 10 دقائق
منذ 12 دقيقة
منذ 11 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 12 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 12 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 13 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 13 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 12 ساعة
صحيفة أثير الإلكترونية منذ 14 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 14 ساعة
صحيفة الشبيبة منذ 22 ساعة