تغيب عن كثير من نقاشات الفضاء العام اليوم أبسط شروط الجدل الرشيد، وهو الإنصات والتثبت واحترام التعقيد والاختلاف، إضافة إلى القدرة على مراجعة الموقف. فما إن تطرح قضية خلافية، حتى ينقسم المجال العام سريعا إلى معسكرين متقابلين، لا يتعامل كل منهما مع الفكرة بوصفها موضوعا قابلا للفحص، لذلك يتم «التمترس» سريعا، كما لو كانت الفكرة علامة انتماء، فلا يعود أحد يناقش إن كانت صحيحة في الأساس.
هذا التحول هو جوهر الأزمة، فالجدل، في أصله، يفترض وجود مساحة مشتركة بين المختلفين، تسمح بتبادل الحجج واختبار الأدلة وتعديل المواقف. أما ما يحدث في كثير من وسائل التواصل الاجتماعي فهو أقرب إلى التمترس، حيث يدخل الأفراد النقاش وهم يحملون أحكامهم النهائية سلفا، ثم يبحثون بعد ذلك عما يؤكدها، لتتحول المنصات إلى ساحات تعبئة يغيب عنها التفكير السليم.
لعل السبب الرئيس الذي يؤدي إلى هذه الظاهرة، هو أن وسائل التواصل لا تكافئ الفكرة الهادئة، لكنها تحتفي بالعبارة الحادة والمحتوى الصدامي، والذي قد لا يكون هو الأكثر دقة بالضرورة، لكنه يحقق الانتشار بواسطة قدرته على إثارة الغضب أو السخرية أو الاصطفاف. كما أن الزمن الرقمي، الذي يتصف بالسرعة، لا يمنح القارئ فرصة كافية للتأمل، كما لا يمنح الكاتب حافزا كافيا للتروي، لذلك تتراجع قيمة التحليل المتزن، فالمطلوب غالبا موقف فوري لا يحتاج أي قراءة متأنية.
السبب الثاني في بروز الظاهرة، هو أن كثيرا من الناس يدخلون النقاش وهم يحملون الفكرة أكثر مما تحتمل، فالموقف من قضية ما يصبح، في وعيهم، امتحانا أخلاقيا كاملا للإنسان، فمن يوافقني فهو واعٍ ونبيل، ومن يخالفني جاهل أو متواطئ أو.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
