في عالمٍ تتسارع فيه ثورة الذكاء الاصطناعي إلى حدّ دفع البعض للتساؤل عمّا إذا كانت الوفرة المطلقة قد تُلغي الحاجة إلى المال أصلا، يبدو هذا التصوّر أقرب إلى سوء فهم لطبيعة المال ووظيفته العميقة في الاقتصاد.
المال ليس مجرد أداة لتسهيل المقايضة أو تجاوز تعقيداتها، بل هو حلّ تاريخي لمشكلة أكثر جوهرية: كيف نُنسّق بين البشر في ظل الندرة، وكيف نقارن بين بدائل محدودة، وكيف نُدير الاختيارات عندما لا يكون كل شيء متاحاً للجميع.
وحتى في عالم افتراضي تزداد فيه الإنتاجية بشكل هائل وتنخفض فيه تكلفة العديد من السلع إلى مستويات شبه صفرية، فإن تلك المشكلات الأساسية لا تختفي، بل تتغير أشكالها فقط. وطالما بقيت الندرة والقيود وعدم اليقين، سيبقى المال جزءاً لا غنى عنه من النظام الاقتصادي.
الندرة والوفرة
أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن الندرة لا تختفي مع الوفرة، بل تعيد توزيع نفسها. قد ينجح الذكاء الاصطناعي في تقليل تكلفة إنتاج كثير من السلع والخدمات، خصوصاً الرقمية أو القابلة للتكرار بسهولة، لكن أجزاء واسعة من الحياة الاقتصادية ستظل خاضعة لقيود لا يمكن للتكنولوجيا وحدها إزالتها.
على سبيل المثال، الأرض مورد ثابت لا يزيد... والمواقع الجغرافية بطبيعتها محدودة... والعقارات المميزة في مدن كبرى مثل نيويورك أو طوكيو لن تصبح وفيرة لمجرد انخفاض تكاليف البناء بشكل كبير.
الأمر نفسه ينطبق على القرب من البنية التحتية أو المراكز الثقافية أو الشبكات الاجتماعية، فهي سلع تنافسية لا يمكن للجميع امتلاكها في الوقت نفسه.
وفي مثل هذه الحالات، يظل التبادل بحاجة إلى آلية لتخصيص الموارد، ويظل المال هو الوسيلة الأكثر كفاءة التي توصل إليها البشر حتى الآن.
عنصر الزمن
هناك أيضاً عنصر الزمن، وهو قيد لا يمكن تجاوزه. فاهتمام الإنسان، خصوصاً عندما يكون عالي القيمة، لا يمكن توسيعه بلا حدود.
يظل وقت الجرّاح الماهر أو المحامي المخضرم أو الفنان الشهير محدوداً بطبيعته، مهما بلغت قدرات الذكاء الاصطناعي في دعمهم أو تعزيز إنتاجيتهم. فحتى مع وجود أدوات متقدمة، يبقى عليهم توزيع وقتهم بين استخدامات متنافسة.
وينطبق الأمر ذاته على التجارب الحيّة مثل الحفلات والعروض والاستشارات الفردية، حيث يكون الوجود نفسه مورداً نادراً.
وفي هذه السياقات، لا تكون الأسعار بقايا نظام قديم، بل انعكاساً مباشراً لقيود لا يمكن إنكارها.
أهمية الندرة
وفي الواقع، فإن الوفرة قد تزيد من أهمية الندرة بدلاً من أن تُقللها. فكلما أصبحت السلع الإنتاجية الرخيصة أكثر انتشاراً، انتقلت القيمة تدريجياً نحو ما لا يمكن نسخه بسهولة.
وهنا تظهر أهمية السلع المرتبطة بالمكانة الاجتماعية، والأصول المحدودة، وإشارات الذوق والتميّز. العلامات الفاخرة والمقتنيات النادرة والأعمال الموثقة تستمد قيمتها أساساً من ندرتها وأصالتها.
وإذا ما أغرق الذكاء.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الجريدة
