أعادت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف خلط الأوراق داخل معسكر البوليساريو، بعدما أثارت موجة من التساؤلات والانتقادات في أوساط أنصار الجبهة، ودَفعت الدبلوماسية الجزائرية إلى التحرك سريعا من أجل احتواء تداعياتها وتبديد المخاوف المتصاعدة بشأن مستقبل الموقف الجزائري من ملف الصحراء.
وبدأت ملامح هذا الجدل عقب الكلمة التي ألقاها عطاف يوم 24 ماي بمناسبة الاحتفال بيوم إفريقيا، والتي رحب خلالها بالمسار التفاوضي الجديد الذي انطلق مطلع السنة الجارية تحت إشراف الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما اعتبره كثيرون داخل المخيمات إشارة سياسية غير مسبوقة مقارنة بالخطاب الجزائري التقليدي.
قلق متزايد داخل تندوف
ورغم أن الوزير الجزائري جدد خلال مداخلته التأكيد على المواقف المعروفة لبلاده بشأن ما تسميه الجزائر حق تقرير المصير ، فإن الترحيب بالمسار التفاوضي الجديد أثار قلقا واضحا لدى عدد من النشطاء المقربين من البوليساريو، خاصة أن هذا المسار يرتكز على القرار الأممي 2797 الذي سبق للجبهة أن عبرت عن رفضها له منذ صدوره عن مجلس الأمن في أكتوبر 2025.
وسرعان ما انتقلت هذه المخاوف إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث شهدت موجة من الانتقادات الموجهة إلى وزير الخارجية الجزائري، واعتبر بعض النشطاء أن الجزائر بدأت تراجع حساباتها في ضوء التحولات الدولية المتسارعة التي يعرفها الملف.
تحرك أممي لطمأنة الجبهة
وأمام تصاعد هذه التأويلات، اختارت الجزائر استغلال أشغال الدورة الأخيرة للجنة الأمم المتحدة الخاصة بتصفية الاستعمار في نيكاراغوا لإعادة التأكيد على موقفها الرسمي. وخلال هذه المناسبة، تدخل نائب الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة لنفي وجود أي تحول في السياسة الجزائرية تجاه النزاع، منتقدا ما وصفه بالقراءات المغلوطة لتصريحات عطاف.
ولم يقتصر الأمر على التوضيح الدبلوماسي، بل حمل أيضا رسائل سياسية موجهة إلى قواعد البوليساريو، في محاولة لاحتواء حالة التوجس التي برزت داخل المخيمات عقب الخطاب الأخير لوزير الخارجية.
لماذا أثارت التصريحات كل هذا الجدل؟
ويرى متابعون أن أهمية هذه القضية لا تكمن فقط في مضمون تصريحات عطاف، بل في التوقيت الذي صدرت فيه، إذ تأتي في مرحلة تشهد تغيرات ملحوظة في طريقة تعاطي المجتمع الدولي مع ملف الصحراء. فبعد اعتماد القرار 2797، عاد الحديث بقوة عن ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.
كما لفت انتباه المراقبين أن المسؤول الجزائري الذي تدخل في لجنة الـ24 تجنب الإشارة المباشرة إلى القرار 2797، رغم أنه كان محور الجدل القائم، وهو ما اعتبره بعض المتابعين محاولة لتفادي إثارة حساسيات إضافية داخل الأوساط الداعمة للبوليساريو.
مرحلة جديدة من الضغوط
وتعكس هذه التطورات حجم الضغوط التي تواجهها الجزائر في ظل التحولات الجيوسياسية التي يعرفها الملف، خصوصا مع عودة المفاوضات السياسية إلى الواجهة وتصاعد الدور الأمريكي في مواكبة المسار الأممي. كما تكشف عن تزايد الهوة بين الخطاب التقليدي الذي اعتمدته الجزائر لعقود والواقع الدولي الجديد الذي يتجه بشكل متزايد نحو البحث عن حلول سياسية عملية للنزاع.
وفي انتظار الجولات المقبلة من المشاورات السياسية، تبدو الجزائر أمام معادلة معقدة تتطلب منها التوفيق بين المحافظة على خطابها التقليدي وضرورة التكيف مع المتغيرات الدولية المتسارعة، وهي مهمة تزداد صعوبة مع كل محطة جديدة يشهدها هذا الملف داخل أروقة الأمم المتحدة.
هذا المحتوى مقدم من آش نيوز
