إيمان الفارس عمان - لم تغب الأمم المتحدة عن المشهد الدولي، لكنها تراجعت من موقع الفاعل الحاسم إلى موقع مدير الأزمة، بحيث تتحرك داخل حدود مرسومة سلفا بتوازنات القوى الكبرى، لتبدو أقرب إلى منصة لاحتواء الصراع وتخفيف حدته، لا إلى أداة قادرة على إنهائه.
وفي مشهد شرق أوسطي شديد التعقيد، تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع التصعيد الميداني، يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة إحاطة طارئة بشأن لبنان في ظل استمرار التوتر في الجنوب، وبطلب فرنسي يستند إلى تطورات عسكرية متسارعة، تنذر باتساع دائرة المواجهة، بينما تتصاعد التساؤلات حول قدرة المنظومة الدولية على ضبط مسار النزاعات في المنطقة.
فهذا التحرك الدبلوماسي، وفق ما أكده خبراء في الشأن السياسي والاستراتيجي، في تصريحات لـ"الغد"، يأتي في وقت تتراجع فيه فاعلية الأدوات الأممية التقليدية أمام واقع إقليمي شديد التشابك، بحيث لم تعد القرارات الدولية قادرة على فرض مسار واضح للتهدئة أو الانتقال إلى تسويات مستقرة، بل باتت تتحرك ضمن هامش محدود تتحكم فيه توازنات القوى الدولية أكثر مما تحكمه قواعد القانون الدولي.
ووفق تحليلات المختصين، فإن الإشكال لا يرتبط بغياب الأطر القانونية، إذ يمتلك مجلس الأمن صلاحيات واسعة، قد تشمل العقوبات أو حتى التدخل لحفظ السلم والأمن الدوليين، غير أن المعضلة الجوهرية تكمن في بنية اتخاذ القرار داخل المجلس، بحيث يتحول حق النقض إلى أداة تعطيل فعالة تجعل القرار الدولي رهينة مصالح القوى الكبرى.
وأشاروا إلى أنه من هذا المنظور، لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة أزمات متفرقة، بل أصبح مختبراً حياً لحدود النظام الدولي، إذ تتراكم النزاعات دون حسم نهائي، وتبقى القرارات الأممية عالقة بين الصياغة والتنفيذ، في ظل انقسام دولي يمنع تشكل إرادة جماعية قادرة على فرض حلول مستدامة.
توازنات القوى الدولية
ومع استمرار التوترات والصراعات في أكثر من ساحة شرق أوسطية، رأى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الألمانية الأردنية د. بدر الماضي، أن فاعلية مجلس الأمن في التعامل مع أزمات المنطقة ما تزال مقيدة بتوازنات القوى الدولية وآليات اتخاذ القرار داخله.
وقال الماضي، إن جلسة الإحاطة التي يعقدها مجلس الأمن بشأن لبنان من غير المتوقع أن تفضي إلى أي قرار حاسم يغير مجريات الأحداث على الأرض، معتبراً بأن طبيعة تشكيل مجلس الأمن وبنيته المؤسسية تجعله انعكاساً لموازين القوى التي خرجت منتصرة بعد الحرب العالمية الثانية، أكثر من كونه مؤسسة قادرة على تحقيق السلم والأمن الدوليين بصورة مستقلة.
وأضاف الماضي، أن مجلس الأمن لا يتحرك في القضايا الدولية وفقاً لمعايير العدالة أو الحاجة إلى وقف النزاعات، بل وفقاً لإرادات سياسية ومصالح الدول الكبرى الأعضاء فيه، مشيراً إلى أن أي تحرك فاعل داخل المجلس يبقى مرهوناً بتوافق هذه المصالح وعدم وجود اعتراض من أي دولة تمتلك حق النقض.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية، أن القرارات المتعلقة بمناطق النزاع لا تصدر إلا عندما تتقاطع مصالح القوى الكبرى أو تتوافق على هدف معين تجاه دولة أو منطقة بعينها.
وفيما يتعلق بالتطورات الجارية في لبنان، رأى الماضي أن ما يحدث لا يمكن فصله عن الترتيبات السياسية والأمنية القائمة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، لافتاً إلى أن الملف اللبناني يرتبط بصورة وثيقة بالتطورات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران.
وبين أن إيران بنت على مدى سنوات نفوذها السياسي والعسكري والاستراتيجي في المنطقة عبر شبكة من الأذرع والحلفاء، وسعت عن طريق ذلك امتلاك أوراق تفاوضية، تمكنها من إبعاد الضغوط والتهديدات عن الداخل الإيراني، بإشغال المنطقة والعالم بملفات وصراعات متعددة.
وتابع أن حزب الله، شكل أحد أبرز هذه الأذرع الاستراتيجية بالنسبة لإيران، لذلك فإن ما يجري حالياً في جنوب لبنان، برغم أنه يحدث على الأراضي اللبنانية، إلا أن أهدافه الفعلية تتجاوز الحدود اللبنانية، وتتمثل بزيادة الضغوط على إيران وتقليص نفوذها الإقليمي.
وأشار الماضي، إلى أن ارتباط حزب الله بالحرس الثوري الإيراني على المستويين العسكري والعقائدي، وفر مبررات سياسية وأمنية لكل من الولايات المتحدة والكيان لاتخاذ الإجراءات التي تقومان بها حالياً تجاه لبنان.
وأكد أن الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، بما فيها روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، لا تملك عملياً القدرة على استصدار قرار يوقف عمليات الكيان العسكرية، أو يضع حداً للتدمير الجاري في جنوب لبنان في ظل المعادلات السياسية الحالية داخل المجلس. لافتا إلى أن استخدام حق النقض، بات أداة سياسية مرتبطة بتوازن المصالح بين القوى الكبرى، وهو ما يحد من قدرة المنظمة الدولية على التدخل الفاعل في الأزمات والنزاعات.
واعتبر الماضي، أن الأمم المتحدة لم تعد قادرة على أداء دور الوسيط النزيه في القضايا السياسية والأمنية الدولية، نتيجة عجزها عن فرض إرادتها السياسية أو الإنسانية على الدول المهيمنة على المجلس، مضيفا أن المشكلة الجوهرية تكمن في غياب قوة تنفيذية مستقلة لدى الأمم المتحدة، تمكنها من فرض قراراتها على الأرض، ما يجعل المنظمة خاضعة في الملفات السياسية والأمنية لتوازنات ومصالح الدول الكبرى المسيطرة على المجلس.
وفي المقابل، شدد الماضي، على أن هذا الواقع لا ينتقص من أهمية الأمم المتحدة في مجالات أخرى، مؤكداً أنها ما تزال تؤدي أدواراً محورية ومؤثرة في القضايا الإنسانية والثقافية والبيئية والزراعية والتنموية على مستوى العالم. وأشار إلى أن المنظمة الدولية ما تزال قادرة في هذه المجالات على إحداث تحولات مهمة على الساحة الدولية، إلا أن دورها السياسي والأمني سيبقى، بحسب تعبيره، أسيراً لمصالح القوى الكبرى المشكلة لمجلس الأمن.
تقليص تأثير الأمم المتحدة
وعن الدور الذي تؤديه الأمم المتحدة في مواجهة أزمات الشرق الأوسط، رأى رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، أن الأمم المتحدة فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على التأثير في أزمات المنطقة، مشيراً إلى أن دورها بات يقتصر بدرجة كبيرة على الجوانب الإنسانية، التي تواجه بدورها تحديات متزايدة تحد من فاعليتها.
وقال شنيكات، إن أبرز أوجه عمل الأمم المتحدة في المنطقة، يتمثل بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إلا أن الوكالة واجهت في السنوات الأخيرة أزمات متلاحقة تتعلق بالتمويل والضغوط السياسية، ما انعكس على قدرتها على الاستمرار.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
