في الدول المستقرة، لا تُقاس قوة النظام السياسي فقط بقدرته على احتواء الأزمات، بل بقدرته على إعادة إنتاج نفسه دون أن يفقد تماسكه أو شرعيته. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن فهم التحولات العميقة التي يشهدها الأردن خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد السلطة تُقرأ فقط من خلال الحكومات المتعاقبة أو النصوص الدستورية، بل عبر شبكة أكثر تعقيدًا تعيد تشكيل مراكز القرار بهدوء، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وضغوط اقتصادية وأمنية متزايدة.
الأردن اليوم يعيش مرحلة انتقالية دقيقة، انتقل فيها مركز الثقل تدريجيًا من البيروقراطية التقليدية والتحالفات الاجتماعية القديمة إلى نموذج أخر يقوم على التكنوقراط، ورأس المال الحديث، ضمن معادلة هدفها الأساسي الحفاظ على الاستقرار في منطقة تعيش على إيقاع الانفجارات السياسية والعسكرية.
السؤال الحقيقي لم يعد، من يمارس السلطة؟ بل كيف تُدار الدولة فعليًا؟ ومن يمتلك القدرة على التأثير في صناعة القرار وتوجيه المسار العام؟.
من يتابع المزاج الشعبي الأردني يلاحظ بوضوح تصاعد الحديث عن أزمة النخبة السياسية. فهناك شعور متنامٍ بأن الدولة باتت تعيد تدوير الأسماء ذاتها، بينما تراجعت قدرة المؤسسات التقليدية على إنتاج قيادات تمتلك الحضور الشعبي والمصداقية المجتمعية. ففي عقود سابقة، كانت البيروقراطية الحكومية، والمؤسسة العسكرية، والنقابات، وحتى الأحزاب الأيديولوجية، تشكل بوابات طبيعية لإنتاج رجال دولة يجمعون بين الشرعية السياسية والاجتماعية. أما اليوم، فقد تراجعت فاعلية هذه الماكينات بصورة واضحة.
هذا التحول لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة تغيرات اقتصادية واجتماعية وإقليمية عميقة. فالدولة، تحت ضغط الأزمات المالية والاقتصادية وتراجع الموارد وارتفاع التحديات الأمنية، اتجهت نحو نموذج أكثر مركزية يعتمد على الإدارة أكثر من اعتماده على التمثيل السياسي التقليدي. ومن هنا برز صعود التكنوقراط بوصفه أحد ملامح المرحلة الجديدة.
وبات المسؤول مديرًا قادرًا على تنفيذ السياسات وضبط المؤسسات والتعامل مع الملفات المعقدة بهدوء. هذه النخبة الجديدة لا تحكم بالكاريزما، بل بمنطق الدولة الوظيفية التي ترى أن أولوية المرحلة هي الحفاظ على الاستقرار المالي والإداري، وإدارة الأزمات، والحفاظ على ثقة الخارج، خصوصًا في ظل الاعتماد الكبير على الدعم الدولي والخليجي.
ولهذا أصبحت الحكومات أقرب إلى غرف إدارة تنفيذية منها إلى مشاريع سياسية تحمل رؤى أيديولوجية كبرى. لكن صعود التكنوقراط لم يكن مجرد تحديث إداري، بل جاء أيضًا على حساب تراجع البيروقراطية التقليدية. الوزارات التي كانت يومًا مراكز ثقل سياسي واجتماعي فقدت جزءًا كبيرًا من نفوذها، كما تراجع دور البرلمان والأحزاب في التأثير الحقيقي على.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من خبرني
