معان نادتنا من على الطريق فـانعطفنا نحـو أصل الحكـاية

الكابتن الطيار أسامة شقمان

في طريق العودة من العقبة إلى عمّان، بعد أيام امتزج فيها صفاء البحر بفرح عيد الاستقلال وروح عيد الأضحى، لم تكن الرحلة مجرد عودة من عطلة عائلية إلى إيقاع الحياة اليومية، بل كانت الطريق الصحراوية، كعادتها، مفتوحة على الأفق؛ طويلة، صامتة، تحمل في امتدادها شيئًا من هيبة البلاد وشيئًا من سرّها.

وعند بداية دخولنا منطقة معان، لمحنا لوحة على الطريق الصحراوي تحمل اسم مقر الملك المؤسس، الملك عبدالله الأول ابن الحسين. لم تكن اللوحة بالنسبة إليّ مجرد إشارة مرورية تدل على مكان، بل بدت كأنها نداء خافت صادر من الذاكرة. وفي لحظة سريعة، ودون تخطيط طويل، اتخذنا القرار: أن ننعطف قليلًا عن الطريق، لا لنستريح من السفر، بل لنذهب إلى رؤية المكان الذي بدأت منه إحدى أهم صفحات الأردن.

 أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى موعد مع التاريخ؛ يكفي أن يرى لوحة صغيرة على قارعة الطريق، فيشعر أن الوطن يطلب منه أن يتوقف. هكذا انعطفنا نحو مقر الملك المؤسس في معان، وكأننا لا نغادر الطريق، بل ندخل في عمقها الحقيقي؛ فليست كل الطرق تقود إلى مدينة، فبعضها يقود إلى معنى.

 ما إن وصلنا إلى المقر حتى شعرت أنني أمام مكان لا يشبه الأماكن العادية. لم يكن المبنى مجرد قصر أثري، ولا محطة قديمة من محطات السكة الحديدية الحجازية، بل كان شاهدًا واقفًا على لحظة تأسيسية في عمر الدولة الأردنية. شُيّد المبنى عام 1904، ثم جاءته لحظته الكبرى حين اتخذه الأمير عبدالله بن الحسين مقرًا له عند قدومه إلى معان في 21 تشرين الثاني عام 1920، ليحمل لاحقًا اسمًا بالغ الدلالة: مقر الدفاع الوطني.

 في هذا الاسم وحده تختصر فلسفة المكان. فالدفاع هنا لم يكن دفاعًا عن جدران، بل عن فكرة. لم يكن دفاعًا عن حدود مكتملة، بل عن وطن كان يتشكل. لم يكن دفاعًا عن واقع قائم، بل عن مستقبل كان يحتاج إلى رجال يؤمنون به قبل أن يولد كاملًا.

 دخلت القاعات، فشعرت أن الحجر لا يصمت حين يكون مشبعًا بالذاكرة. هناك لا ترى الجدران بوصفها جدرانًا، بل بوصفها شهودًا. ولا ترى الوثائق بوصفها أوراقًا محفوظة خلف الزجاج، بل بوصفها بقايا نبض سياسي ووطني عاشه رجال ذلك الزمن. في المقر صور ووثائق ومراسلات رسمية ومحفوظات ومقتنيات شخصية، وكل قطعة فيه تبدو كأنها تقول للزائر: هنا لم يكن التاريخ فكرة بعيدة، بل كان يومًا من لحم وقلق وقرار.

 ومن بين ما يحتويه هذا المقر ما يربط الزائر ببدايات الحياة السياسية والإدارية في شرقي الأردن؛ فقد بدأ الأمير عبدالله من هذا المكان ممارسة نشاطاته واتخاذ قراراته السياسية، وأصبح المبنى مركز قيادة وإدارة. ومنه انطلقت رحلة التأسيس نحو عمّان في عام 1921، تلك الرحلة التي لم تكن انتقالًا من مدينة إلى أخرى فحسب، بل انتقالًا من الحلم إلى البناء، ومن الفكرة إلى الدولة.

 وفي هذا المكان أيضًا صدرت أول صحيفة في شرق الأردن، وهي صحيفة «الحق يعلو»، وهي تسمية تصلح وحدها أن تكون عنوانًا لمرحلة كاملة. فالحق حين يعلو، لا يعلو بالصوت وحده، بل بالإرادة، وبالموقف، وبإيمان الناس بأن الكلمة جزء من تأسيس الأوطان، كما هو السيف، وكما هو القرار، وكما هي الراية.

 وما زاد الزيارة عمقًا وجمالًا أن التاريخ لم يُقدَّم لنا كأسماء وتواريخ جامدة، بل كحكاية حيّة. كان استقبال القائمين على المكان.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور الأردنية

منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 9 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 16 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 13 ساعة
خبرني منذ 20 ساعة
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 8 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 11 ساعة
خبرني منذ 17 ساعة
رؤيا الإخباري منذ 3 ساعات
خبرني منذ 19 ساعة