الزعبي يكتب: هل أرهقت تكاليف الحياة الأردنيين؟

ليست المشكلة دائمًا في الكلمات، بل في ما تخفيه خلفها من معانٍ. لذلك لم أرغب بدايةً أن يكون عنوان المقال "هل سئم

تكاليف الحياة؟"، كما أشار صديقي، خلال نقاشٍ معه، استُحضر فيه بيت الشعر الخالد من معلقة زهير بن أبي سلمى:

"سَئِمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يعِشْ ثمانينَ حولًا - لا أبا لك يسأمِ".

فزهير لم يكن يشكو تعب العمر فقط، بل ذلك الثقل الوجودي حين تتحول الحياة إلى تراكمٍ من الانتظار والخذلان والأسئلة المؤجلة. وكأن صوته القادم من الصحراء القديمة ما يزال يصف الحاضر، المثقل بالقلق الاقتصادي والخوف من المستقبل وتآكل اليقين.

لكن الفرق بين السأم والإرهاق، ليس فرقًا لغويًا عابرًا، كما ظن صديقي، بل فرقٌ نفسي واجتماعي وسياسي عميق. فالسأم يبدأ حين يتعب المعنى نفسه، لا الجسد وحده، وحين يفقد الإنسان إيمانه بأن الغد قد يكون أفضل. أما الإرهاق فهو إنهاك القدرة على الاحتمال تحت ضغط المعيشة وتراكم الأعباء. ولهذا، يبدو القول إن الأردنيين "أرهقتهم" تكاليف الحياة أكثر دقة وإنصافًا من القول إنهم "سئموها".

ومن هنا يبرز السؤال الأخطر: هل وصلت الضغوط المعيشية إلى مرحلة تهدد المعنويات الوطنية أكثر مما تهدد الاقتصاد نفسه؟

في الأردن، لا تُقاس الدول بحجم الموارد، بل بقدرتها على البقاء واقفة في وجه التاريخ والجغرافيا معًا. فهذه البلاد لم تكن يومًا دولة رخاء سهل، بل دولة فكرة وإرادة وصبر. ومنذ تأسيس إمارة شرق الأردن، عاش

فوق أرضٍ تعرف القلق أكثر مما تعرف الطمأنينة، لكنهم امتلكوا دائمًا قدرة نادرة على التماسك والإيمان بالدولة والقيادة الهاشمية، وكأنهم تعلموا من الصحراء أن البقاء ليس للأغنى، بل للأصلب إرادةً والأعمق انتماءً.

لقد واجه

حروب المنطقة، ونزوح الشعوب، وانهيارات الجوار، وأزمات الاقتصاد العالمي، وندرة المياه والطاقة، ومع ذلك بقي واقفًا. لا لأن الظروف كانت سهلة، بل لأن في بنية

عناصر تماسكٍ تجاوزت الحسابات التقليدية،

هاشمية صاحبة شرعية تاريخية ودينية، امتلكت قدرة طويلة على إدارة التوازن بين العقل والشجاعة، ومؤسسات عسكرية وأمنية متماسكة، وشعب صلب في الشدائد.

ولهذا، لم يفقد الأردني حب الحياة ولا انتماءه لوطنه، لكنه أُنهك من ثقل المعيشة وتراكم الضغوط، وكأن الشارع الأردني يردد بصمت معنى قوله تعالى "وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ"؛ لا لأن الأرض ضاقت فعلًا، بل لأن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية جعلت الروح نفسها تضيق.

فالقرآن لا يقدم الحياة بوصفها طريقًا للراحة المطلقة، بل ميدانًا للمكابدة الإنسانية "لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ". والكبد هنا ليس تعب

فقط، بل الصراع الطويل بين الحاجة والكرامة، وبين الخوف على الغد والرغبة في البقاء متماسكًا. لذلك لا تسأم الشعوب الحياة ذاتها، بل تسأم طول الامتحان حين يتحول العيش إلى عبءٍ يومي على الكرامة والمعنى.

ومنذ عام 2012 تقريبًا، دخل

مرحلة طويلة من الوعود الكبرى؛ إصلاح اقتصادي، واستثمارات عملاقة، ومدن تنموية، وثروات من الغاز والنحاس واليورانيوم والصخر الزيتي والسيليكا والمعادن النادرة، حتى بدا وكأن الأرض تخفي مستقبلًا قادرًا على تغيير شكل

والمنطقة.

وقيل للأردنيين إن

ستتراجع، والمديونية ستنخفض، وإن

سيُعاد بناؤه، وإن الإصلاح السياسي سيفتح أبواب المشاركة، فيما ستقود مشاريع

والغاز والتعدين والطاقة والمياه والاستثمار البلاد نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والنمو.

لكن السنوات كشفت فجوةً مؤلمة بين الخطاب والواقع؛ فالمديونية واصلت الارتفاع، والطبقة الوسطى تعرضت لاستنزاف قاسٍ، والبطالة اتسعت، فيما ارتفعت كلفة

والسكن والطاقة والمياه والحياة اليومية. وبعض المشاريع التي قُدمت بوصفها منقذة للاقتصاد اصطدمت بالبيروقراطية، او ضعف التمويل، او بطء التنفيذ، أو بحقيقة أن بعض الثروات لم تكن اقتصاديًا بالحجم الذي رُوّج له. وربما تكشف السنوات المقبلة، (عام 2029)، حقيقة الكثير من تلك الوعود.

وهكذا، لم تعد الأزمة في نقص الوعود، بل في تآكل الثقة العامة، حين يتحول المستقبل من مشروعٍ وطني يُبنى إلى وعدٍ مؤجل يتكرر كل عام بلا أثرٍ ملموس في حياة الناس.

وعندها، يتحول الإرهاق من حالة اقتصادية إلى حالة حضارية؛ إذ تبدأ الطبقة الوسطى، وهي العمود الأخلاقي والاجتماعي للدولة، بالشعور بأنها تنحدر نحو قلقٍ مزمن يفقد المجتمع شيئًا من توازنه النفسي والثقافي والسياسي. فالمجتمعات لا يرهقها الفقر وحده، بل أن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

منذ 5 ساعات
منذ 51 دقيقة
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
قناة رؤيا منذ 6 ساعات
خبرني منذ ساعتين
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 4 ساعات
قناة رؤيا منذ ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ ساعة
خبرني منذ 3 ساعات
رؤيا الإخباري منذ 3 ساعات
رؤيا الإخباري منذ 10 ساعات