ليست الشركات الكبرى في الدول الناهضة مجرد كيانات اقتصادية تُقاس أرباحها في الميزانيات السنوية، بل تتحول مع الزمن إلى مؤسسات وطنية تصنع الفارق في التنمية، وتعيد رسم ملامح الاقتصاد والمجتمع، وتصبح جزءاً من ذاكرة الدولة ومسارها التنموي. وفي الأردن، تبدو تجربة شركة البوتاس العربية وشركة برومين الأردن نموذجاً لافتاً في كيفية تحويل الموارد الطبيعية المحدودة إلى قيمة اقتصادية مضافة، وفرص عمل، واستثمارات إنتاجية، ومنصات للابتكار الصناعي والتقني.
وقد حملت زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني اليوم إلى غور الصافي دلالات تتجاوز الافتتاحات الرسمية، لتؤكد مجدداً أن قطاع التعدين والصناعات الاستخراجية المتقدمة يمثل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، وأن البناء على الإنجازات الإنتاجية والتقنية لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز الاستقلال الاقتصادي ورفع تنافسية الأردن في الأسواق العالمية. شركة البوتاس الأردنية ليست مجرد شركة تستخرج الأملاح من البحر الميت، بل قصة وطنية في استثمار الجغرافيا وتحويل التحديات البيئية والطبيعية إلى ميزة تنافسية عالمية. فالبوتاس مادة أساسية تدخل في صناعة الأسمدة وتحقيق الأمن الغذائي العالمي، ما يمنح الأردن مكانة خاصة في سوق دولية ترتبط مباشرة بإنتاج الغذاء واستدامة الزراعة.
ومع افتتاح مشروع توسعة الملاحات الشمسية ومحطة توليد الطاقة الكهربائية والبخار الجديدة بكلفة بلغت نحو 75 مليون دينار، تتضح رؤية الشركة في الانتقال من نموذج الإنتاج التقليدي إلى نموذج يعتمد على رفع الكفاءة والإنتاجية والطاقة المستدامة. فالملاحات الشمسية الجديدة لا تعني مجرد توسعة تشغيلية، بل تمثل استثماراً في تعظيم الاستفادة من الطبيعة ذاتها، عبر رفع الطاقة الإنتاجية للبوتاس بما يقارب 35 ألف طن سنوياً، وهي زيادة تحمل آثاراً مباشرة على الصادرات الوطنية والإيرادات والقدرة التنافسية في الأسواق الدولية.
أما محطة الطاقة الكهربائية والبخار الجديدة، فهي تعكس تحولاً إدارياً وصناعياً يقوم على استشراف المستقبل بدلاً من الاكتفاء بإدارة الحاضر. فمع تزايد الطلب المتوقع على الطاقة والبخار نتيجة التوسعات الصناعية، يصبح الاستثمار المبكر في البنية التحتية الذكية للطاقة خطوة استراتيجية تخفض الكلف التشغيلية وتحسن كفاءة التشغيل وتدعم استدامة النمو الصناعي.
وفي الجانب الإداري، نجحت الشركة خلال السنوات الماضية في ترسيخ مفهوم الإدارة الصناعية الحديثة، التي لا تكتفي بتحقيق الربحية، بل تربط الأداء بالإنتاجية والاستدامة والمسؤولية المجتمعية. فالشركات الناجحة عالمياً لم تعد تُقاس فقط بحجم الإنتاج، وإنما بقدرتها على خلق منظومة متكاملة من القيمة المضافة تشمل التوظيف، ونقل المعرفة، وتطوير المهارات، وتعزيز سلاسل التوريد المحلية، وتقليل الاعتماد على الخارج.
وفي هذا السياق، تبدو تجربة شركة برومين الأردنية مثالاً متقدماً على الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تعظيم القيمة الصناعية. فمنذ تأسيسها عام 1999 بشراكة استراتيجية مع Albemarle Corporation الأمريكية، استطاعت الشركة أن تصبح أحد أكبر منتجي ومصدري البرومين في العالم، وأن تغطي نحو ثلث الطلب العالمي، مع وصول منتجاتها إلى عشرات الأسواق الدولية.
ولا تكمن أهمية البرومين في حجمه التجاري فقط، بل في تنوع استخداماته ذات القيمة العالية، إذ.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
