كتب: عريب الرنتاوي- أكملت معركة "العصف المأكول" شهرها الثالث، من دون أن تلوح في الأفق، بوادر نهاية قريبة لها، إذ حتى بفرض نجاح طهران في فرض معادلة تلازم المسارين ومدّ مفاعيل وقف إطلاق النار إلى الجبهة اللبنانية، فإن من المشكوك فيه أن تتمكن عبر طاولة إسلام آباد، من فرض انسحاب إسرائيلي عن الأراضي اللبنانية التي يتوسع العدو في احتلالها. الحزب ومقاتلوه، أبلو بلاءً حسناً في ميادين المواجهة، وأحالوا حياة الجنود ومستوطني الشمال إلى كابوس يطاردهم ليل نهار، وعداد الخسائر في صفوف القوات الغازية، لا يتوقف عن الدوران، تلكم حقيقة، تنطق بها وسائل الإعلام العبرية وتصريحات وتسريبات كبار قادة المستويين الأمني والسياسي في تل أبيب، وإن كان بعض الثرثارين، يجهدون في طمسها أو الحطّ من قدرها. هي معارك استنزاف حقيقية يخوضها الحزب بلا كلل ولا هوادة، دفعت بمراقبين ومحللين إسرائيليين، للقول "إن نتنياهو قد وقع في ذات الفخ الذي نصبه لحزب الله"، وأن رهاناته وأوهامه حول "سلامة الجليل"، تتبدد يومياً على وقع القصف الصاروخي وبالمسيّرات، الذي يضرب إسرائيل من شمالي شمالها، ويعطل الحياة في "مستوطنات الغلاف" وبعض مستوطنات العمق كذلك، ويتسبب في تهجير ما لا يقل عن ثلاثين ألفاً من المستوطنين. لمثل هذا القتال الباسل، يتعين أن ترفع القبعات، ويستحق الرابضون على خطوط النار، كل الدعم والإسناد، إن لم يكن بالوسائل المادية، فلا أقل من "الكلمة الصادقة" المعبرة عن المشاعر الحقيقية، والالتزام المخلص بنواميس الأرض والسماء: قتال المعتدين والمحتلين، واجب أخلاقي وإنساني وديني ووطني وقومي، لا غبار عليه ولا مندوحة عنه. مقاومة في بيئة متغيرة لكن، وكما يتضح للقاصي والداني، فإن الحرب التي يخوضها حزب الله، إنما تندلع وتتواصل في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد، ليس من الناحية الميدانية فحسب، بل من الناحية السياسية كذلك...فالسلطة هذه المرة، ترفع عقيرتها بالعداء والحظر، مدعومة بنصف اللبنانيين على أقل تقدير، والبيئة العربية الرسمية التي لم يُعرف عنها دعمها للمقاومة، أي مقاومة، تتميز مواقفها باستعداء الحزب، وتسارع إلى تصنيفه في قوائمها السوداء للمنظمات الإرهابية، وتستعجل كما واشنطن وتل أبيب، لحظة الخلاص منه ومن وجوده، فيما المجتمع الدولي، يقف صامتاً عاجزاً عن كل حراك، باستثناء خطوات "رفع العتب" تصدر عن "الأم الحنون" بين حين وآخر، كما في الدعوة الفرنسية لانعقاد عاجل لمجلس الأمن الدولي. صحيح أن هذه الظواهر والمواقف، ليست جديدة تماماً على الحزب وبيئته وقيادته، فقد مرّ بما يشبهها من قبل ونجا، وبقي وتَمدد...لكن في السياسة من الخطأ الركون إلى مثل هذه الخلاصة، واعتبار أن ما يجري إنما يندرج في باب تحصيل الحاصل، فمواقف هذه الأطراف، ذهبت بعيداً في شططها المعادي، وإلى درجة غير مسبوقة، من مثل قرارات حظر الجناح العسكري والأمني للحزب في لبنان، وتصنيف دول متزايدة الحزب كمنظمة إرهابية...ويزيد من خطورة الظاهرات الجديدة، أنها تأتي على خلفية الحرب على إيران ومواقف هذه الدول من ردود الأفعال الإيرانية التي طالب أهدافاً في عمقها...الحصيلة واحدة، وأن تعددت مبرراتها ودوافعها. والحزب يقاتل في بيئة إقليمية متغيرة، سقط نظام الأسد وانسدّت من بعده شرايين الإمداد والتزود وسلاسل التوريد، والإطار التنسيقي في العراق يتفكك على وقع انقساماته الداخلية، وفصائل مسلحة تسارع للتعبير عن استعدادها لتسليم السلاح (ويقال بيعه) للدولة وحكومة السيّد الزيدي، ودائماً تحت ضغط مركب: عصا العقوبات والاستهدافات الأمريكية من جهة، وجزرة توزيع كعكة السلطة والثروة من جهة ثانية، إذ لم يبق على "عهده" سوى عدد أقل من الفصائل التي انضوت ذات يوم، تحت راية المقاومة الإسلامية العراقية، وأسهمت في فتح جبهات إسناد لغزة وحزب الله، ولاحقاً إيران. والحزب يقاتل هذه المرة، في مواجهة استراتيجية جديدة للعدو، تستمد مفرداتها من خطاب التوحش والإبادة والتطهير والتهجير والتجويع والترويع والأحزمة الأمنية، أدت من ضمن ما أدت إليه، إلى تسوية عشرات القرى الجنوبية بالأرض، وهجّرت أكثر من مليون مواطن، ودمرت ألوف المنازل والأعيان المدنية، سيما في الجنوب والبقاع والضاحية. صحيحٌ أن العدو لم يكن يوماً "رؤفاً" بالمدنيين، ولم يخضع في كل حروبه لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا للأعراف الراسخة في التعامل مع المدنيين زمن الحرب، لكن الصورة هذه المرة تبدو أشد بشاعة وأكثر قتامة، فاستهداف المدنيين لم يعد "عرضاً جانبياً" للحرب، بل هدفاً قائماً بذاته، ومقدم في بعض الأحيان، على هدف القضاء على القوة القتالية الصلبة للحزب، في ظل إدراك مستمد من تجربة الحرب على غزة، مفاده أن استهداف بيئة المقاومة، لا يقل أثراً وتأثيراً عن استهداف المقاومة ذاتها، بل وربما يكون أشد مضاءً، سيما وأن هذا الكيان الإجرامي، يشعر أنه ما زال محصناً ضد الإدانات والعقوبات والإجراءات التأديبية الرادعة، وقديماً قيل: من أمن العقاب أساء الأدب. المقاومة اللبنانية خبرت استراتيجية "الحزام/الشريط الأمني"، وانتصرت عليها في ذلك اليوم المشهود من أيار 2000، لكن هذه الاستراتيجية باتت اليوم، أكثر اختلافاً عن سابقتها....لم يتهجر سكان الجنوب من قبل وظلوا غالبيتهم - في بلداتهم وقراهم، تحت الاحتلال والسلطة العميلة، هذه المرة، تقتضي الأحزمة، إفراغ المنطقة المستهدفة، من مقاومتها وأهلها، وتقطيع سبل عودتهم إلى ديارهم، من خلال تطبيق عقيدة رفح وبيت لاهيا وبيت حنون، ما يعني أن ملف النزوح وعودة النازحين ليس مطروحاً على جداول الأعمال الوشيكة، لا في واشنطن ولا في إسلام آباد، أقله ضمن حدود "الخط الأصفر"...والخطوط الصفراء بات ركناً ركيناً في استراتيجية "الأمن القومي" الصهيونية بوصفها درساً مستفاداً من "التجربة المرة" للسابع من أكتوبر، وإسرائيل اليوم تحتل أكثر من ألف كيلومتر مربع جديدة، من أراضي غزة وسوريا ولبنان، فيما الضفة الغربية تكاد تتحول برمتها إلى "خط أصفر"، توطئة لمد "الخط الأخضر" إلى نهر الأردن. وخلف عملية التهجير المنهجي المنظم، تتظهّر ملامح "هندسة ديموغرافية"، تطل برأسها في ثنايا التصريحات والتسريبات الإسرائيلية، تستلهم (وتطور) بعضاً من دروس هذه "الهندسة" في غزة والضفة، وقبلها في مناطق 48، مع كل ما تستبطن من مخاطر التوتير والاستقطاب بين المكونات اللبنانية ذاته، سيما بوجود "آلة ضخ إعلامية-دعائية" عملاقة، تروج لأبشع السيناريوهات وأشدها خطورة على الداخل اللبناني. وربما يكون في خلفية المشهد، سيما إن "صمتت المدافع" من دون حلول جذرية لقضايا الانسحاب والأسرى وإعادة النازحين، سعيٌ لإدخال لبنان في طورٍ جديدٍ من هذه الحرب، يبدأ بافتعال مواجهات داخلية بين الأطراف، وينتهي باستدعاء تدخل عربي-دولي لإنقاذ المكونات والكيانات الأخرى، في استعادة مأسوية لسيناريو التدخل السوري في لبنان قبل خمسين عاماً، ودائماً تحت مظلة عربية من طراز "قوات الردع العربية"، وبتنسيق وخطوط خضراء وحمراء مع واشنطن وتل أبيب...قد يقول قائل، أننا ذهبنا بعيداً في "التقدير المتشائم"، وهذا صحيح، ولكن هل كنا لنتخيل، حتى أسوأ كوابيسنا، ما يحصل اليوم، في غزة والجنوب وعلى امتداد المنطقة؟ تدرك إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، أن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
