اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مع الهند.. اختبار القطاع الخاص في مرحلة التنفيذ

د. يوسف بن حمد البلوشي

مع دخول اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند موضع التنفيذ، يُصبح السؤال الأهم ليس ما أهمية الاتفاقية؛ فهذه الأهمية باتت واضحة من حيث حجم السوق الهندي واتساع فرص التجارة وصلتها بمستهدفات التنويع الاقتصادي؛ بل إن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: كيف يُمكن للقطاع الخاص العُماني أن يستخدم هذه الاتفاقية بصورة عملية؟ وكيف يمكن تحويلها من نصٍ تجاريٍ إلى مصانع، ومزارع، ومصائد أسماك، ومناجم، وصادرات، وشراكات، وخدمات، وفرص عمل لأبناء الوطن، وموقع جديد لعُمان في حركة التجارة الدولية؟

وهنا يمكننا القول إن الحكومة أدَّت الدور التأسيسي في هذه المرحلة؛ إذ فتحت المسار التفاوضي ووفَّرت الإطار القانوني ووسَّعت مجال الوصول إلى سوق يُعد من أكبر الأسواق الصاعدة في العالم، غير أن المرحلة التالية تتطلب الانتقال إلى التفعيل ووضع الاتفاقية موضع التنفيذ، ومن الإطار الحكومي إلى مبادرات القطاع الخاص؛ فالاتفاقيات مهما بلغت أهميتها لا تتحول إلى أثر اقتصادي بمجرد التوقيع أو دخولها حيز التنفيذ. ومن هنا تبدأ مسؤولية القطاع الخاص من خلال قراءة الاتفاقية كخريطة فرص لا كخبر اقتصادي، وكأداة تشغيل لا كإعفاء جمركي فقط.

المدخل الأول للاستفادة هو أن يعرف كل طرف في القطاع الخاص موقعه داخل الاتفاقية؛ فالمستوردون يمكنهم الاستفادة من انخفاض تكلفة السلع والمدخلات والآلات والمواد الخام القادمة من الهند بما ينعكس على تكلفة الإنتاج والتشغيل، والمُصنِّعون يمكنهم تحويل هذه المدخلات الأقل تكلفة إلى منتجات أكثر تنافسية خصوصًا في الصناعات التحويلية، البلاستيك، البتروكيماويات، المعادن والصناعات الغذائية، أما شركات إعادة التصدير والخدمات اللوجستية فبإمكانها استخدام الموانئ والمناطق الاقتصادية العُمانية لمعالجة البضائع، تجميعها، تغليفها واختبارها ثم توجيهها إلى أسواق الخليج وشرق أفريقيا والهند والأسواق الأخرى.

في حين أن مُقدمي الخدمات يمكنهم بناء شراكات في قطاعات تقنية المعلومات، الرعاية الصحية، التعليم والخدمات المهنية وهي قطاعات تتميز فيها الهند بقدرات واسعة وكلفة تنافسية، أما المُستهلك (المواطن والمقيم) فالمكسب المباشر بالنسبة له قد يظهر في تراجع أسعار بعض السلع الغذائية، الملابس، الأدوية، الإلكترونيات والمنتجات اليومية.

غير أن هذه المنافع لا تتحقق تلقائيًا؛ فالاستفادة الحقيقية من الاتفاقية تحتاج إلى فهم فني عميق في مقدمته قواعد وشهادة المنشأ المحلي؛ فالسلعة لا تحصل على المعاملة التفضيلية لمجرد أنها مرت عبر سلطنة عُمان أو أُعيد تصديرها منها، بل يجب أن تستوفي شروط المنشأ وأن تتضمن قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد العُماني، وفي بعض الاتفاقيات كما في اتفاقية التجارة الحرة بين عُمان والولايات المتحدة تصبح نسبة 35% من القيمة المضافة أو المحتوى المؤهل شرطًا رئيسًا للاستفادة من المعاملة التفضيلية، وفي اتفاقية الهند تختلف القواعد بحسب السلعة والتصنيف الجمركي، لكنها تقوم على المبدأ ذاته "لا امتياز بلا منشأ مؤهل، ولا منشأ مؤهل بلا إنتاج أو معالجة أو تحويل حقيقي".

هذه نقطة قد يغفل عنها البعض؛ فالاتفاقية لا تكافئ التجارة العابرة فقط؛ بل تكافئ من يعرف كيف يُصمِّم سلسلة التوريد من البداية؛ من أين تأتي المدخلات؟ أين تتم المعالجة؟ ما نسبة القيمة المضافة داخل سلطنة عُمان؟ هل تحقق السلعة تغييرًا كافيًا في التصنيف الجمركي؟ هل توجد وثائق تثبت المنشأ؟ وهل الشركة قادرة على الامتثال للمتطلبات الفنية والمعيارية في السوق المستهدف؟" هذه الأسئلة لم تعد تفاصيل إجرائية؛ بل أصبحت جزءًا من القدرة التنافسية للمصدر والمصنع.

ومن هنا فإن الاتفاقية يجب أن تُقرأ في سياق أوسع من العلاقة الثنائية بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند؛ فالهند ليست فقط سوقًا لعُمان؛ بل سوقًا كبرى تتنافس عليها الاقتصادات الصناعية والصاعدة. الهند تستورد من الصين بما يقارب 127 مليار دولار سنويًا، والولايات المتحدة تستورد من الصين ما يقارب 439 مليار دولار، الهند تصدر للولايات المتحدة 104 مليارات دولار سنويًا وتستورد منها بـ46 مليار دولار سنويًا. وهذه الأرقام تكشف حجم التشابك التجاري بين الاقتصادات الكبرى، لكنها تكشف أيضًا فرصة عظيمة لسلطنة عُمان.

الشركات الصينية أو التركية أو السعودية أو غيرها من الشركات التي تبحث عن مسارات أكثر.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الرؤية العمانية

منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 13 ساعة
وكالة الأنباء العمانية منذ 8 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 7 ساعات
صحيفة الرؤية العمانية منذ 8 ساعات
عُمان نيوز منذ 13 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 9 ساعات
صحيفة أثير الإلكترونية منذ 4 ساعات
صحيفة الرؤية العمانية منذ 3 ساعات