عمر الكندي
في علم التخطيط الحضري وإدارة الأصول المعقدة، يُقاس نجاح أي بنية تحتية بقدرتها على استيعاب المتغيرات الطارئة بمرونة فائقة. لكن، ماذا لو كان المتغير الطارئ هو انتقال ملايين البشر، الذين يتوافدون من أكثر من 160 دولة، بأعراق وثقافات وخلفيات صحية متباينة، للعيش والتحرك معًا في رقعة جغرافية محدودة جدًا، ووفق توقيت زمني صارم لا يقبل التأخير أو إعادة الجدولة؟
هنا تسقط النظريات التقليدية، وتبرز مكة المكرمة والمشاعر المقدسة كأعظم ظاهرة حضرية ولوجستية على وجه الأرض. ما يحدث في موسم الحج كل عام، ليس مجرد تجمع ديني؛ إنه بناء أضخم شبكة لوجستية بشرية مؤقتة في العالم، تعمل بكفاءة مطلقة لتفعيل مدينة مليونية متكاملة وإدارتها، ثم إعادة تفكيكها في غضون أيام معدودات. هذا الحدث الكوني لا يوجد له نظير في أي بقعة أخرى من العالم، وتتفرد المملكة العربية السعودية بإدارته باحترافية تُدرس في كبرى أكاديميات الإدارة الاستراتيجية، واضعةً سلامة الحاج كبوصلة لا تحيد عنها كافة العمليات التشغيلية.
في كبرى الفعاليات العالمية، كالأولمبياد أو بطولات كأس العالم، تملك الجهات المنظمة رفاهية توزيع الجماهير على ملاعب متفرقة، في أوقات متباعدة، وداخل مساحات حضرية مفتوحة. أما في الحج، فالتحدي يتجاوز ذلك بمسافات ضوئية، حيث نتحدث عن حشد بشري متزامن، يُجبر على التحرك ككتلة واحدة في مسارات مكانية ضيقة كجسر الجمرات، ومزدلفة، وعرفات، وفي أوقات محددة قسريًا. إدارة هذا المشهد الاستثنائي لا تعتمد على مجرد فرض طوق أمني، بل تتطلب حوكمة دقيقة للديناميكية المكانية، وتصميمًا لشبكة لوجستية معقدة تتعامل مع الإنسان ليس كعنصر جامد يمكن شحنه، بل ككائن تحركه العاطفة والروحانيات، وتحتاج حركته إلى إدارة مرنة تمنع أي تكدس قد يهدد سلامته.
وترتكز الفلسفة العميقة لفن إدارة الحشود في التجربة السعودية على الانتقال من مفهوم السيطرة ورد الفعل إلى مفهوم الاستباقية والتدفق المستمر؛ حيث يتم تطويع البنية التحتية والمشاريع العقارية المحيطة لتصبح هي الموجه الصامت لسلوك الحشود. ومن خلال هندسة المسارات أحادية الاتجاه التي تمنع التقاطع أو الارتداد، وتصميم منشآت عملاقة متعددة الطوابق كمنشأة الجمرات لامتصاص الصدمات الحركية، يتحول التخطيط المكاني إلى أداة لتقليل المخاطر. هذا النموذج من المرونة الحضرية يضمن عدم توقف الكتل البشرية، ويمنع تشكل بؤر الاختناق التي تُعد المسبب الأول لحوادث التدافع.
وفي موسم الحج الذي اختُتِم بنجاح هذا العالم، تجلَّت عبقرية الأداء.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
