يُصرّ جلّ الزعماء السياسيين في هذا الوطن على تبني قناعة واهية مفادها أن علوّ الصوت والصراخ مرادفان لامتلاك الحقيقة والصدق لدرجة جعلت إحدى القنوات التلفزية الرسمية تُفرد لهؤلاء ساعة كاملة من البث التفاعلي وآخر تجليات هذا الأسلوب ما شهدناه مؤخراً من ثرثرة وضجيج اعتليا منصة الحوار أثناء استضافة الرئيس الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود التحالف الحكومي الحالي.
بدا المشهد سرياليّاً ومثيراً للشفقة السياسية رئيس حزب يفترض أنه يملك زمام الأغلبية يتحول إلى محامٍ متطوع ليترافع بشراسة وبصوت جهوري عن أزمة أضاحي العيد. هذا العيد الذي لم يعد مجرد شعيرة.. بل تحول هذا العام إلى مفصل تاريخي ينضم إلى قائمة الأيام العصيبة في الذاكرة الشعبية للمغاربة على غرار عام البون أو أزمة الزيوت الفاسدة بعد أن بلغت الأسعار أرقاماً فلكية غير مسبوقة.
من الناحية الشكلية فإن هذا التبرع الترافعي يُعد في عمقه إهانة بالغة للحكومة كجهاز تنفيذي يمتلك كل الصلاحيات والوسائل الرسمية لتبرير اختياراته ومواجهة الرأي العام.
هو في الواقع هروب مكشوف وعجز بنيوي عن مواجهة الشعب إذ كيف يُستدعى محامٍ من خارج التشكيلة الحكومية ليتحدث بلغة خشبية جافة تفتقر للمنطق وتعوضه بالصراخ !؟
في الوقت الذي كان يُفترض فيه أن يخرج وزير الفلاحة صاحب ( 1500 درهم) في ندوة صحفية رصينة ليقول للمغاربة الحقيقة بلا مواربة
بكل جدّية وصدق وبعيداً عن الأسطوانة المشروخة التي تربط كل موجة غلاء داخلي بالتقلبات العالمية فإننا نتساءل: لماذا لا ينعكس هذا التأثر الكوني على الأسواق الوطنية بالإيجاب عندما تنخفض الأسعار وتتلاشى مسببات التوتر في بقية دول العالم؟ والأخطر من ذلك هو تبني الزعيم الحزبي خطاباً يدافع فيه عن الوسطاء والمضاربين (الفراقشية) مبرراً ممارساتهم بداعي الحفاظ على انسيابية السوق وكأن المطلوب من المواطنين هو التضحية بجيوبهم لضمان تدفق الأرباح لهؤلاء التجار على حساب شعيرة دينية مقدسة.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الاقتصاد بل تعداه إلى منزلق سوسيولوجي غريب حين راح يقارن تمسك المغاربة بالأضحية بدول أخرى مثل مصر والجزائر في إشارة مبطنة وخطيرة تدعو المغاربة للتحلل من هذه الشعيرة للتغلب على الغلاء في القادم من السنوات كحل عبقري يمهد لإلغائها مستقبلاً
إن هذه المقارنة القاصرة تعكس فصاماً تاماً عن طبيعة الدولة المغربية وخصوصيتها التاريخية فنحن في مملكة عريقة، تتربع إمارة المؤمنين على رأس بنيتها الروحية منذ قرون.
هذه الإمارة هي المنارة التي تفسر هذا التشبث الوجداني الاستثنائي بديننا وشعائره فالمغاربة لا يمارسون طقساً فولكلورياً بل يقدمون قرباناً لله في بلد يضم ثاني أكبر عدد من المساجد في العالم الإسلامي بعد تركيا، ويُعد من أشد المجتمعات تقديراً لرمضان وحفظاً للقرآن ودقة في رصد الأهلة وتزييناً لبيوت الله.
وتحت سلطة هذا الميثاق الروحي والبيعة الشرعية امتثل المغاربة بكل انضباط لتوجيهات أمير المؤمنين السنة الماضية حين قضت المصلحة العليا بعدم نحر الأضحية لدرء المفسدة وحماية القطيع الوطني.
وهنا تحديداً تُساءَل الحكومة:
أين كانت طيلة هذه السنوات وهي تترك القطيع ينزف؟وكيف تحولت أرقام المخطط الأخضر البراقة إلى وعود صفراء ذابلة عند أول امتحان؟
ختاماً لا تجوز مقارنة المغرب بغيره في هذا السياق ولا يمكن لشعيرة دينية أن تُعالج بمنطق السوق الحرة ويسلم مصيرها لـ انسيابية المضاربين.
ومن هذا المنطلق نطالب وبصوت هادئ ومسؤول ينسجم مع هويتنا كمملكة عريقة بأن تتولى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الإشراف المباشر على أسواق أضاحي العيد وتحديد أسعار مرجعية تحمي هذه الشعيرة وتصونها، بدلاً من الدعوات المبطنة للتقليص منها. ونقول لهذا الزعيم وغيره بأنّ الصراخ لا يصنع الحقيقة
فالحقيقة الثابتة اليوم هي أن سياساتكم أفسدت علينا فرحة العيد
يوسف غريب كاتب صحفي
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
