بينما كان رجلاً ورعاً حكيماً، حاد الذكاء، حاضر البديهة، سريع الجواب، يتابع أخبار الظهيرة، فإذا بخبر استوقفه واسترعى انتباهه عندما أعلنت المذيعة أنه حوالي 23 مليار من الخطابات القصيرة (SMS) يتم تداولها كل 24 ساعة. هذا الخبر شكل له صدمة معرفية، بل وأذهله من كثافة وقوة التبادل والتواصل في الزمن الحالي. فكيف وصل العالم والإنسان إلى هذا المستوى الرفيع والكثيف من التواصل؟
فقبل 5 آلاف سنة خلت، تم اختراع الكتابة والقراءة، وقبل ذلك بآلاف السنين أو ملايين السنين تم اكتشاف النار. هذين الحدثين أو الواقعتين ساهمتا في تشكيل عقل الإنسان الحالي، وفي تشكيل معالم الحضارة الحالية. وبالطبع، اختراع الكتابة تم منذ 5000 آلاف سنة، لكن الإنسان العاقل حسب علماء الأنتروبولوجيا ظهر قبل 300 ألف سنة. فكيف كانوا يتواصلون في غياب القراءة والكتابة كما هو معمول به اليوم؟
فالإنسان العاقل (HOMOSAPIEN) لم يكن يحتاج إلى هذا الكم الهائل من تبادل المعلومات لعدم وفرتها أو قلتها أو ندرتها، فكانت الذاكرة البشرية كفيلة بأن تقوم بهذه المهمة أحسن قيام. فكان المجتمع شفاهياً، يعتمد على نقل المعلومة من فرد إلى فرد داخل العشيرة أو داخل القبيلة. فحاول الإنسان أن يتذكر المعلومات التي كان يستقبلها من الآخر بشكل مباشر، بدون الحاجة إلى الوسائط (مكتوبة أو افتراضية). فكان أول إرهاص، وكانت أول محاولة محتشمة لتخزين المعلومة عن طريق الأهازيج والترانيم والموسيقى، أي عن طريق المسموع. فالموسيقى أو الترانيم أو الأهازيج شكلت أول محاولة في التاريخ، أو أول محاولة في مغامرة العقل الأولى للتذكر ولخلق هوية مشتركة عن طريق السمع، وعن طريق الأهازيج، وعن طريق الترانيم والموسيقى. لأن الإيقاع أقرب حركة مسموعة لاستيعاب الإنسان (حركة دقات القلب، حركة أمواج البحر، حفيف الأشجار…) كشكل من الأصوات دأب عليها وألفها الإنسان، فاعتمد عليها لتخزين المعلومة، وبالتالي التذكر.
فحالياً، نلاحظ بأن الأطفال يحفظون الموسيقى بسهولة تامة، ويجدون صعوبة كبيرة في حفظ وتذكر الدروس؛ لأن الموسيقى دأب الإنسان على التدرب عليها تاريخياً، أما الدروس فبطبيعتها منفرة. فالذاكرة لا تحاول أن تسعف الأطفال إلا في ما ينتج اللذة.
لكن المجتمع انتقل من مجتمع شفاهي إلى مجتمع أرشيفي، وبالضبط مع المجتمع السومري الذي كان يتواجد في حضارة الهلال الخصيب أو الحضارة الميزوبوتامية بين دجلة والفرات؛ لأن تلك المنطقة كانت توفر الاستقرار، وكانت تتوافر فيها 24 عشبة أو نبتة قابلة للأكل من طرف الإنسان، مما شجع الإنسان على الفلاحة وعلى الاستقرار، وشجعه على التفكير، وعلى التمحيص والمقارنة والتجربة. فكانت أول محاولة إنسانية للفلسفة، وبداية الحضارة والتعمير، لدرجة أن أول مدينة بنيت في التاريخ كانت في هذه الحضارة. وهذه المدينة كانت تسمى “القصبة”، وكانت أزقتها ضيقة جداً مخافة بطش قطاع الطرق، ومخافة هجوم القبائل والعشائر الأخرى. وكانت النساء لا يتنقلون إلا عبر الأسطح مخافة أن يتم الهجوم عليهن أو يتم سرقتهن من طرف العشائر الأخرى. وبالطبع، هذه المدينة كان لا بد لها من نظام، ولا بد لها من مسك دفاتر، ومسك محاسبة، وتنظيم محاسبي لمعرفة عدد القطيع ونوع القطيع والحبوب والقطاني.
فلكثرة الخيرات من حبوب وقطاني، ومع كثرة العائلات واختلافها، كان لابد من تنظيم هذه الخيرات وتنظيم هذا الغنى (LA RICHESSE). فأصبحت الصورة والرمز تلعبان دوراً مهماً في التنظيم، فكان يرمز إلى البقرة برأس البقرة، وإلى صورة الدجاجة بصورة الدجاجة، إلى غير ذلك من الصور والرموز، باعتبار الصورة أول مشترك غير مسموع. وكانت الصورة لا يملكها كل فرد في العشيرة، فكانت مشاعية، لكل فرد الحق في النظر إليها واستغلالها والتمتع بها. فكانت أول شكل من أشكال الخيرات هي الصورة، إضافة إلى أن كل شخص كان يفهمها ويستوعبها ويدرك معناها، وهو ما شكل البداية الحقيقية للتواصل. فالإنسان كان يدرك الصورة ويحاول أن يرسمها، ومحاولة الرسم هذه أو ما يسمى في علم الأنتروبولوجيا “بيكتوغرام” (PICTOGRAMME)، وهو رسم تخطيطي يرسم على الجدران وعلى الأشجار، وهي صورة يحاول فيها الإنسان أن يحاكي الصورة التي رسمها في ذاكرته، وترمز إلى شيء معين يريد الحفاظ عليه في ذاكرته أو يريد تنظيمه مجتمعياً. هنا كانت الانطلاقة والشرارة الأولى للكتابة، فتم إحداث رموز تعبيرية وصور تعبيرية كثيرة. فإذا كان البيكتوغرام (PICTOGRAMME) يرسم البيت، فالإيديوغرام (IDEOGRAMME) يرسم الحياة داخل البيت: يرسم طفلاً يجري، امرأة جميلة تطل من شرفة المنزل… فهذه الصورة أعطتها الحياة. هنا بدأ “الإيديوغرام (IDEOGRAMME)”. لكن عندما تقدمت ملكة التجريد عند الإنسان، والتجرد، والانتقال من المجسد إلى المجرد، تم في هذه اللحظة بالضبط، والفارقة في حياة الإنسان، تم خلق وإحداث حروف الهجاء (L’ALPHABET)، والتي بدأت بالحروف الأولى لكل صورة مبتغاة. تم الإشارة إلى كل صورة بالحرف الأول: فالبيت هو B، والB باللغة الفرنسية هي عبارة عن عمارة صغيرة جداً، وA هي رأس بقرة معقوف. فبدأت الحروف عبارة عن رموز للرسومات التي كانت موجودة في “الإيديوغرام (IDEOGRAMME)”، وقبلها البيكتوغرام (PICTOGRAMME)، وتسمى حالياً الحروف الأبجدية (L’ALPHABET)، وانتقلت إلى ACROPHONIE، وهي الأصوات التي تحيل على الرموز والصور والرسومات التخطيطية الأولى.
ففي هذه المرحلة، استطاع الإنسان أن يربط بين الصوت والرمز لفهم المعنى. فجسم البشر قد تابع وواكب هذا التطور في كتاباته، لأنه لم ولن يتأتى هذا من دون متوفرات الجسد، وأهم ما وفره الجسد في هذه العمليات الاختراعية العديدة للإنسانية هي اليد. حيث أصبحت اليد حرة في التعامل معها، وأهم إصبع في اليد وهو السبابة، فهو أقوى إصبع في اليد؛ لأن جميع الحيوانات لا تملك السبابة، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يملك السبابة. فعندما يمسك بالقلم، يمسكه بالسبابة، والتحكم في جميع الإبداعات البشرية لا بد من تدخل السبابة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
