ملخص تقدم رواية "في مدينة الذباب" للكاتب أحمد عبدالمنعم رمضان، الصادرة عن دار الشروق، والمكتوبة في الفترة بين 2018 و2025، واقعاً يقترب في غرائبيته من عالم الديستوبيا. يختار رمضان بناء عالم رمزي كثيف، فالذباب ليس مجرد حشرة تملأ فضاء الرواية، بل يتحول إلى علامة على التلوث الاجتماعي والسياسي والأخلاقي.
في الساعات الأولى من صباح الأول من يناير (كانون الثاني)، يوقظ طنين ذبابة شاردة رجلاً نائماً في غرفته. يقوم من سريره، كي يبحث عن مبيد حشري فإذا صلاحيته منتهية، يقرر فتح النافذة حتى يتسرب ضوء الصباح فتنجذب الذبابة نحوه وتطير إلى الخارج. لكن نجوى زوجته تصرخ فيه من تحت غطائها: "مش كفاية ماسهرناش إمبارح ولا احتفلنا برأس السنة، كمان مصحينا من الفجر علشان الدبان". هذا المشهد الافتتاحي هو التعريف الدقيق لما ستكون عليه الرواية: حياة رجل يعيش في شقة يغزوها الذباب، في مدينة تغزوها القمامة، وفي مؤسسة تغزوها المراقبة.
منذ الصفحات الأولى في الرواية يربط السارد بين انتشار الذباب وتراكم القمامة في المدينة، لتصبح المدينة نفسها فضاء للاختناق والانحلال.
يعتمد الكاتب تقنية اليوميات المؤرخة، وهي تقنية تمنح السرد طابعاً توثيقياً وتخلق وهم الواقعية، لكنها في الوقت نفسه تسمح بتتبع التحولات النفسية والفكرية للشخصية الرئيسة، فالسارد لا يروي أحداثاً فحسب، بل يسجل تطور وعيه تجاه ما يجري حوله.
الرواية الجديدة (دار الشروق)
يوميات غامضة البطل السارد بضمير المتكلم هو موظف في جهاز أمني غامض، يدون يومياته عبر فصول مؤرخة بأسماء الأشهر من دون ذكر السنة. هذا الغموض الزمني المقصود يجعل الرواية معلقة في حاضر عام لا زمن بعينه، وهو اختيار دلالي يوسع مدى القراءة، ويجعل الحكاية قابلة للتكرار.
الشخصية الساردة تظهر منذ البداية بوصفها شخصية قلقة، مأزومة، تميل إلى المراقبة والتحليل أكثر من الفعل. ويعزز الكاتب هذا البعد النفسي من خلال المونولوغ الداخلي الطويل، إذ تتداخل الملاحظات اليومية مع التأملات الذاتية والهواجس الشخصية.
لا يعطى البطل اسماً صريحاً، هو يعمل في جهاز لا يعرف أحد اسمه الحقيقي، اعتادت المؤسسة أن تسمى "الهؤلاء" بسبب غموضها وهيبتها. يصف السارد عمله بأنه قائم على "البحث والملاحظة والتبليغ"، يقول: "قد تتساءل عن طبيعة عملي بالضبط، اسم الهيئة التي أنتمي إليها ومهمتها، غالب المواطنين لا يعرفون شيئاً عن مؤسستنا التي ولدت في العتمة بعيداً من الأجهزة المعروفة والتقليدية، أسست بصورة مستقلة وأكثر سرية من نظيراتها، لتقوم بالمهمات الأخطر والأكثر إنجازاً من دون أي تورط قانوني".
هذه الوضعية الأخلاقية الملتبسة هي الأكثر إثارة في الرواية، فالسارد ليس ضحية خالصة ولا جلاداً صريحاً، بل هو في المنطقة الرمادية، يعرف، ويصمت، ويتكيف، ويبرر لنفسه، يشعر بالذنب على مصير بعض الأبرياء، لكنه لا يتدخل، ويقول لنفسه إنهم أغبياء، هذا التبرير الداخلي المتكرر هو الصوت المتكرر للضمير المهزوم.
يبني الكاتب استعارته المركزية بصبر وإتقان، عبر ثلاث طبقات متراكمة لا تنفصل. الطبقة الأولى حرفية تماماً: الذباب آفة حقيقية تغزو الشقة وتعكر النوم وتهدد الصحة، وهي مرتبطة سببياً بأكوام القمامة التي باتت تغزو المدينة، حتى تحولت إلى أكوام هرمية فوق مستوى السطح، تضم كل أنواع القاذورات وبقايا الطعام. الذباب هنا ليس استعارة، بل نتيجة منطقية لانهيار المدينة.
الكاتب احمد عبد المنعم رمضان (دار الشروق)
الطبقة الثانية واقعية، حين تتكلف المؤسسة بمهمة "محاربة الذباب"، وينضم السارد إلى لجنة تتابع الأمر وتكتب التقارير، يصبح الذباب مرادفاً لكل ما تعتبره السلطة تهديداً: الغوغاء الذين يتجمعون في الشوارع، والأفكار المتمردة التي تنتشر. والمفارقة الجوهرية أن آليات "محاربة الذباب" في الرواية، الحصار والإخلاء والإسكات، هي الآليات ذاتها التي تستخدم لمحاربة البشر، وهذا ما يقوله البطل بوضوح.
الطبقة الثالثة وجودية، صراع المركز والهامش، في الكوابيس تتضخم الذبابة إلى وحش بأفواه عملاقة وأنياب حادة، وتتحول إلى "سيمفونية قاتلة"، يصف السارد فيها الذباب بأنه يفترسه كله. هذا التضخيم في اللاوعي يكشف عن أن الذباب تحول إلى رمز للخوف الوجودي نفسه،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية

