آخر النبلاء يتحدث بهدوء

في الطرق المزدحمة بالصخب، يحفظ الله بعض عباده بلطف خفي، ويجعل للكلمة الرقيقة أثرا لا تصنعه الجلبة، ويُري القلوب بحكمته أن الرفق باب من أبواب الخير لا يفتحه إلا من عرف عظمة الله ورحمته.

في زمن أصبح فيه ارتفاع الصوت عند بعض الناس دليلا على القوة، وكثرة الجدل علامة على الحضور، والاندفاع غير المحسوب برهانا على الشجاعة، يقف النبلاء في زاوية المشهد بهدوء مهيب، كأنهم بقايا زمن جميل نجا من زحام العصر.

إنهم آخر النبلاء الذين يتحدثون بهدوء.

لا لأنهم عاجزون عن الصراخ، بل لأنهم أدركوا مبكرا أن الضجيج لا يصنع الحقيقة، وأن الحكمة لا تحتاج إلى مكبرات صوت، وأن الكلمات العظيمة لا ترتدي دائما ثياب العاصفة.

ومن غرائب الحياة أن الإنسان كلما نضج عقله خفَّ صوته، وكلما اتسعت رؤيته ضاقت رغبته في الانتصار لكل جدال. أما قليلو الخبرة فيخوضون المعارك لإثبات أنفسهم، بينما يخوض العقلاء معاركهم الحقيقية مع أهوائهم وغضبهم وكبريائهم.

ولذلك قيل: «إن الرقة والتلطف في القول والفعل من رجاحة العقل».

وهي عبارة تختصر فصولا طويلة من التجارب الإنسانية. فالعقل الراجح لا يُعرف بكثرة المعلومات فقط، وإنما يُعرف أيضا بطريقة التعامل مع الناس. فقد تجد إنسانا يحمل شهادات عالية لكنه يعجز عن إدارة حوار صغير، وتجد آخر قليل التعليم لكنه يمتلك من حسن الخلق ما يجعله سيدا في مجلسه.

اللطف ليس زينة أخلاقية توضع عند الحاجة، بل هو صورة من صور الحكمة. وما أكثر الذين كسروا القلوب وهم يظنون أنهم يربّونها، وما أكثر الذين أصلحوا النفوس لأنهم أحسنوا مخاطبتها.

وقد أرشدنا الله سبحانه إلى هذا المعنى العظيم في قوله تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَة مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

تأمل كيف ربط الله اجتماع القلوب باللين، وكيف جعل الرحمة سببا في بقاء الناس حول أعظم قائد عرفته البشرية. إنها رسالة تتجاوز حدود الزمن، وتخبرنا أن النفوس لا تُفتح بالمطارق، بل تُفتح بالمفاتيح.

وفي الحديث الصحيح يقول رسول الله ﷺ:

«إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْء إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْء إِلَّا شَانَهُ».

وكأن هذا الحديث يضع قانونا للحياة كلها؛ فالرفق يزيد الأشياء جمالا، والقسوة تنتزع منها بهاءها. حتى الحق نفسه قد يكرهه الناس إذا قُدِّم بفظاظة، بينما قد يتقبلون النصيحة الصعبة إذا جاءت في ثوب من رحمة.

ومن أجمل ما يُروى عن التابعين أن الحسن البصري ــ رحمه الله ــ كان إذا بلغه خطأ من أحد الناس لم يندفع.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
صحيفة عاجل منذ 12 ساعة
سعودي سبورت منذ 8 ساعات
صحيفة سبق منذ 13 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 4 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 16 ساعة
صحيفة سبق منذ 15 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 13 ساعة
صحيفة مكة منذ 7 ساعات