خُلق الشهامة من أسمى الأخلاق، التي يتحلّى بها المرء المسلم، فهي عنوان المروءة، ودليل على نُبل النفس ورفعة الخُلق، وقد عُرف أهل الكويت الكرام قديمًا وحديثًا، بتمسكهم بهذا الخُلق الأصيل، حيث توارثوه جيلاً بعد جيل، فظهرت آثاره في مواقف كثيرة تُجسّد معاني الكرم، والتضحية، والوفاء، ويجمعها جميعًا خلق «الإحسان» الذي تحلّو به رحمهم الله تعالى، ومن بين المواقف الجميلة التي تتجلى فيها معاني الشهامة، مواقف العم علي عبدالله السعد العبيد رحمه الله تعالى، الذي ضرب لنا أروع الأمثلة في الشهامة والمروءة. وقد روى لي هذه الجملة من المواقف الطيبة الأخ الفاضل أحمد علي عبدالله السعد العبيد، نقلاً عن أحد جلساء والده رحمه الله تعالى المقربين، وفيها يقول إن أحداث هذه المواقف الجميلة قد جاءت أثناء الحجة الثالثة والأخيرة للعم علي عبدالله العبيد رحمه الله تعالى، وكانت هذه الحجة في عام 1940، حين كانت رحلات الحج تُؤدى على ظهور الإبل في مشقةٍ وصبرٍ عظيمين.
وبدأت الرحلة من الكويت على ظهور الإبل كعادة حملات الحج الكويتية في ذلك الوقت، وكانت الحملات الكويتية قد اعتادت في طريقها إلى الحج أن تتخذ من مدينة «بريدة» محطةً للاستراحة، حيث يمكث الحجاج فيها ليلًة كاملًة يستعيدون فيها نشاطهم، وتستريح فيها دوابهم، ويشترون من أسواقها أجود أنواع التمور، وكانوا يودعون ما يشترونه من تمور أمانةً لدى أحد أصحاب الدكاكين المعروفين، وهو «ابن جروان»، وذلك مقابل مبلغ مالي يأخذه نظير حفظه للأمانات وضمانها لهم إلى حين عودتهم بإذن الله تعالى.
وبالفعل وصلت القافلة إلى بريدة، وبعد أداء صلاة الفجر ذهب العم علي العبيد إلى السوق كعادته، فشهد مزادًا على نوع فاخر من التمور، ولاحظ أن الأرقام في المزاد تتناقص بدلاً من أن تتزايد، حيث فتح الدلال باب المزاد على عبوتين كبيرتين من التمر «المفتل الملكي» (وهو أحد أنواع التمر السكري العالي الجودة)، فبدأ المشتري الأول المزاد قائلاً: 14 والدلال يكرر 14، ثم المشتري الثاني: 13، وأعقبه المشتري الثالث: 12، ثم المشتري الرابع: 11، والدلال يكرر العدد في كل مرة، فتعجب العم علي العبيد من أن الرقم يتناقص، في حين أنه من المفترض أن يتزايد السعر، فسأل أحد كبار السن الواقفين إلى جواره عن ذلك، فأخبره أن المزايدة تكون على عدد «الوزنات» (الوزنة تقريبًا من 2 إلى 3 كيلوغرامات) مقابل الريال الواحد، فالأول يقصد 14 وزنة بريال، والثاني يقصد 13 وزنة بريال... وهكذا، وكلما قلّ عدد الوزنات كان ذلك في صالح البائع. عندها أدرك العم علي العبيد أن هذا الأمر جيد، فأقبل على المزاد بكل ثقة، حتى رسا عليه المزاد بشراء التمر بواقع تسع وزنات بريال، فاشترى التمر، وأودعه لدى ابن جروان، ودفع مقابل حفظه ريالين بواقع ريال عن كل عبوة من عبوات التمر التي تركها.
ثم استأنفت القافلة رحلتها إلى مكة المكرمة، وأدوا فريضة الحج بفضل الله تعالى، ثم توجهت القافلة إلى المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي الشريف، كما هي عادة الحجاج الكويتيين قديمًا، أو العكس بزيارة المدينة المنورة ثم مكة المكرمة، غير أن الرحلة كانت شاقة، إذ أصاب الإبل التعب والإعياء بسبب قلة الكلأ وشدة الحرارة، حتى أن مدة السفر التي كانت تستغرق في المعتاد اثني عشر يومًا فقط، قد طالت حتى تجاوزت العشرين يومًا.
وعلى الرغم من هذا الإعياء، الذي طال معظم الإبل في الرحلة، فإن راحلة العم علي العبيد كانت نشيطة وقوية، وذلك نظرًا لأنه كان مهتمًا بها طوال الرحلة يشتري لها العلف من محطات الاستراحة على الطريق، وكان يضع لها التمر لتأكله بين الحين والآخر، ولكن شهامة العم علي العبيد قد تجلت في هذا الموقف، إذ لم يفكر في راحلته فحسب، بل نظر إلى حال رفاقه الذين أصاب الإعياء الشديد معظم رحالهم، فحين وصلت القافلة إلى المدينة المنورة قرّر البحث عن وسيلة مريحة تعود بهم بسلام إلى الكويت،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة القبس
