في الطبقات العميقة من الذاكرة الجمعية، حيث لا يعود الزمن خطاً مستقيماً بل يتحوّل إلى نسيجٍ متداخلٍ من الحكايات والظلال، تقف الدُّمى بوصفها كائناتٍ حدّية، لا هي من صميم الحياة ولا هي من صمت الجماد.
إنها تلك المنطقة الوسيطة التي اخترعها الإنسان ليحتمل العالم، وليعيد تشكيله على مقاس روحه، ومن بين هذه الكائنات الرمزية، تبرز «الدُّمى الشعبية» لا بوصفها أثراً تراثياً فحسب، بل كأثرٍ أنطولوجيٍّ يكشف عن حاجة الإنسان القديمة إلى أن يرى ذاته خارج ذاته، وأن يُعيد تمثيل وجوده في هيئةٍ قابلة للمسّ، والحوار، والاحتضان.
حاجة وجودية
ليست الدمية، في أصل نشأتها، وليدة الترف أو الفراغ، بل هي نتاج حاجةٍ وجوديةٍ خالصة، حاجة الإنسان إلى المحاكاة بوصفها أداة للفهم، وإلى التجسيد بوصفه وسيلةً لترويض المجهول، فمنذ أن وعى الإنسان هشاشته في مواجهة الكون، سعى إلى خلق نظائر صغيرة للعالم، عوالم مصغّرة يمكن التحكم بها، والتدرّب داخلها على احتمالات الحياة، وهكذا نشأت الدمى من خيال الإنسان، ليس للتسلية العابرة، بل كوسيلة أولى لمحاكاة الوجود واختبار الذات. وفي هذا السياق، تتجلى «الدُّمى الشعبية» بوصفها امتداداً عضوياً لهذا التاريخ الإنساني العميق، إنها ليست مجرد مصنوعات يدوية تنتمي إلى بيئة محددة، بل هي نصوصٌ حية مكتوبة بلغة القماش والخيط، تُقرأ بالحدس قبل العين، فالمواد التي تُصنع منها: بقايا الأقمشة، الخيوط البسيطة، قطع الخشب، وحتى فتات الحياة اليومية، ليست عناصر خاملة، بل هي ذاكرة متجسدة، وكل خيط يحمل أثر يدٍ، وكل غرزة تحمل زمناً، وكل تفصيلة تروي قصة إنسانٍ لم يكن يملك الكثير، لكنه امتلك القدرة على تحويل القليل إلى معنى. ليصبح الفعل الحِرفي ذاته فعلاً فلسفياً، فصانع الدمية لا يكتفي بإنتاج شكل، بل يعيد تكوين العالم على نحوٍ مصغر، كما إنه يمارس نوعاً من «الخلق الرمزي» الذي يمنح الجماد قابلية للحياة، ولو على مستوى التخيل، لتنكسر الثنائية التقليدية بين المادة والروح، إذ لا تعود الدمية مجرد مادة، ولا الروح مجرد فكرة، بل يتداخل الاثنان في كيانٍ هجين، يختزن الذاكرة، ويستدعي العاطفة، ويُحرّك المخيلة.
أول وسيط
من منظورٍ نفسي، تنفتح الدمية على أفقٍ أعمق من مجرد التسلية، إنها أول وسيطٍ يعبر من خلاله الطفل إلى فهم ذاته والعالم، فحين يمسك دميته، لا يتعامل معها كموضوع خارجي، بل كامتدادٍ لداخله، يمنحها صوتاً ليُسمع صوته، ويخلق لها قصة ليُعيد سرد قصته، ويُسقط عليها مشاعره ليتمكن من رؤيتها، وفي هذا الفعل تتشكل أولى ملامح الوعي الانعكاسي، ذلك الوعي الذي يدرك نفسه عبر الآخر، حتى وإن كان هذا الآخر مصنوعاً من قماش. واللافت أن هذا التفاعل لا يقتصر على الطفولة بوصفها مرحلة عابرة، بل يترك أثراً طويل الأمد في البنية النفسية، فالدمية تُعلّم، في صمتها، مهارة الإصغاء إلى الداخل، وتُدرّب على التعاطف عبر محاكاة الآخر، وتفتح مساحة آمنة لتجريب الأدوار من دون خوفٍ من الفشل أو العقاب، كما أنها مختبرٌ عاطفيٌّ مصغّر، يُعاد فيه ترتيب الفوضى الداخلية، ويُصاغ فيه التوازن النفسي الأول.
الوعي الجمعي
على المستوى الاجتماعي، فإن «الدُّمى الشعبية» تؤدي دوراً خفياً لكنه بالغ التأثير في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية




