حين أصبح الذكاء الاصطناعي وصياً على العقول، لم يعد أخطر ما في عصرنا أن يزداد الذكاء الاصطناعي ذكاءً... بل أن يزداد الإنسان راحةً في التخلّي عن عقله.
في الأزمنة الماضية، كان الجاهل محدود الأثر. يخطئ فيُصحَّح، يجهل فيتعلم، يتحدث فتنكشف ضحالة منطقه سريعاً. أما اليوم، فقد حدث أمر أكثر إثارة للقلق: لقد مُنح الجهل هيئة أنيقة، وصوتاً واثقاً، وقدرة مدهشة على التنكّر في صورة معرفة.
لم يعد الغبي بحاجة إلى القراءة، ولا المتعجل بحاجة إلى الصبر، ولا السطحي بحاجة إلى التعمق. يكفي أن يفتح هاتفه، يطرح سؤالاً سريعاً، فتخرج له إجابة مصقولة، مرتبة، مفعمة بالثقة، فيظن وربما ببراءة مؤلمة أنه أصبح فجأة مفكراً، أو محللاً سياسياً، أو خبيراً إستراتيجياً، أو ناقداً اجتماعياً يقرأ المشهد من أعلى قممه.
المشكلة هنا ليست في التقنية، بل في الاستمراء الخطير لفكرة أن أحداً يمكنه التفكير بدلاً عنك.
لقد استمرأ البعض الاستعارة الذهنية حتى أصاب العقل نوعٌ من التكلّس؛ فلم يعد الإنسان يبحث عن الفهم بقدر ما يبحث عن جواب جاهز يريحه من مشقة السؤال. لم تعد المعرفة رحلة... بل أصبحت خدمة توصيل سريعة.
وهنا يبدأ الغباء المُعزَّز.
نعم، الغباء المُعزَّز.
لأن ما يحدث ليس ازدياداً طبيعياً في الجهل، بل هو استفحالٌ لجهل جديد يرتدي عباءة الذكاء. جهل يتحدث بثقة، يجادل بلا معرفة، يقتبس بلا فهم، ويتحدث بمصطلحات أكبر من تجربته وكأن الثقافة أصبحت مجرد زينة لغوية لا مشروع ذهني.
انظروا إلى بعض الطلبة اليوم.
لم يعد السؤال:
كيف أفهم؟
بل:
كيف أنجح بأقل جهد؟
طالب جامعي يُسلّم بحثاً لا يعرف كيف كُتب، ولا يفهم نصف مصطلحاته، ولو سألته عن فكرة مركزية فيه لتوجّس وارتبك وانكشفت هشاشته المعرفية سريعاً. أصبح بعضهم لا يرى في التعليم إلا وثيقة تُعلّق على الحائط، لا عقلاً يُبنى ولا شخصية تتشكّل.
لقد تحوّل التعليم عند البعض من مشروع وعي... إلى امتثال ميكانيكي للنجاح الشكلي.
وهنا المأساة.
لأن الشهادة قد تُعلّق على الجدار، لكن الفهم لا يُعلّق.
أما الموظف، فحدّث ولا حرج.
ذاك الذي لم يعد يريد أن يُتقن عمله، بل أن يُنجزه بأقل احتكاك ممكن مع التفكير. تقرير بلا فهم، تحليل بلا خبرة، خطاب مكتوب بلغة فاخرة بينما صاحبه عاجز عن شرح فكرته الأساسية.
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي عند البعض ليس أداة تطوير... بل أداة تمويه.
والفرق شاسع بين مَنْ يستخدم التقنية ليصبح أذكى،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الراي
