بين المؤلف والقارئ

عندما أكتب قصة، فأنا أكتب رحلة. أضع البلاطات، وأغرس الأشجار، وأبني البيوت، أُلوِّن السماء، وأجعلها تمطر. واجعل البرق يشُقُّ السماء،لكن القارئ هو من يسلك هذا الدرب، هو من يدخل هذا العالم ويختبره من خلال عدسات آرائه ومعتقداته وتجاربه الحياتية.

القارئ هو من يسلكه ويتجول فيه بتأويلاته الخاصة. كتابتك تُجسد ببراعة جوهر الإبداع المشترك في سرد القصص. أنت تُشيّد البِنية والجو العام، لكن الرحلة العاطفية تعتمد كليًا على نفسية القارئ الفريدة، وذكرياته، ورؤيته الشخصية لإضفاء الحيوية عليها. هذه العلاقة التعاونية هي من أروع جوانب الأدب. كما وصف الكاتب النيجيري الشهير بن أوكري

،OkriBen

فإن القراءة حوارٌ تفاعليٌّ يُوقظ فيه خيال الكاتب خيال القارئ، مما يجعل كل قراءة تجربةً فريدةً بينهما.

أتذكر في أيام دراستي الجامعية لنظرية الأدب، ودروس الكبير المرحوم الدكتور حسن المنيعي أنني قرأت مقال موت المؤلف ، ولم أستوعبه تمامًا حينها كنت صغير السن، أما الآن، فأنا أفهمه، وأؤمن به إيمانًا راسخًا. ويرجع ذلك جزئيا إلى أنه يجعل سرد القصص أكثر إثارة.وأنجع وسيلة لتشجيع القراء على توسيع آفاقهم وقراءة ما لم يقرؤوه عادة، لكن ما المقصود بنظرية موت المؤلف ؟

قدّم الناقد الأدبي الفرنسي رولان بارت مفهومًا مثيرًا للجدل في مقالته موت المؤلف . تحدّى بارت الفكرة التقليدية القائلة بأن نوايا المؤلف وسيرته الذاتية يجب أن تُملي تفسير النص. وبدلًا من ذلك، جادل بأن دور القارئ هو الأهم في استخلاص المعنى، قائلًا: لا بد أن يكون ميلاد القارئ على حساب موت المؤلف.

يُزيل بارت مركزية المؤلف، بحيث تتضاءل أهميته بمجرد انتهائه من كتابة الرواية، وهنا يبرز دور القارئ في تفسيرها وفقًا لتجربته الحياتية وفلسفاته الخاصة..

من خلال إزالة مركزية المؤلف، يُؤكد بارت على حرية القارئ في تفسير النصوص بشكل مستقل، مما يُعزز تفاعلًا شخصيًا وذاتيًا مع الأدب.

عملية القراءة التفاعلية جوهرها التأويل ـ

عندما نتفاعل مع رواية ما، لا نكتفي باستيعاب المعلومات، بل نبني المعنى بفعالية. يوفر الكاتب العالم والإطار العام الكلمات والسرد والأفكار لكن القارئ هو من يُضفي الحياة على هذه العناصر، ويُضفي عليها تجاربه الشخصية ومشاعره وتأويلاته. هذا التفاعل يُحوّل الكلمات الجامدة على الصفحة إلى حوار حيوي متطور باستمرار، يتغير بتغير القارئ، يسمى بلغة النقد تفعيل النص حيث لا تكتمل الرواية بمجرد السرد فقط بل بتفاعل القارئ مع الفراغات التي يتركها النص، وهو ما يعرف في نظرية فولفغانغ ايزر ب ملئ الفجوات المعرفية ،أطلق ايزر على هذه المساحات اسم الفجوات مقترحا ان الرواية عمل تعاوني بين المؤلف والقارئ.

هل سبق لك أن ناقشت كتابًا مع صديق واختلفت آراءكما؟ هذا مثال بسيط على فرضية موت المؤلف . فسّر صديقك الرواية وفقًا لتجاربه الشخصية، وفسّرتها أنت وفقًا لتجاربك. والنتيجة قصتان مختلفتان، ونهايتان مختلفتان، وأثران دائمان مختلفان.

تماشياً مع أفكار رولان بارت، تقترح نظرية نقد استجابة القارئ أن معنى النص ينشأ من خلال تفاعل القارئ معه. تشير هذه النظرية إلى أن الأدب ليس عملية نقل أحادية الاتجاه من المؤلف إلى الجمهور، بل هو فعل تعاوني يُخلق فيه المعنى بشكل مشترك.

هذا يعني أن تفسير كل قارئ صحيح، ويتشكل وفقاً لسياقه وتجاربه ووجهات نظره الفريدة. أليس هذا رائعاً؟

ماذا يعني هذا للكُتّاب والقرّاء؟

بالنسبة للكُتّاب، يُشجع إدراك الجانب التعاوني للقراءة على ابتكار سرديات مفتوحة النهاية ومثيرة للتفكير، تدعو إلى تفسيرات متنوعة.

أما بالنسبة للقرّاء، فهذه الأفكارتُعزز قدراتهم بشكل كبير. فهي تعني أن آراءهم حول قصة ما مهما اختلفت عن آراء الآخرين صحيحة. كما تعني أيضاً أن القارئ قد يقرأ أنواعاً أدبية غير مألوفة لديه، ويُفسرها بطريقة تُلامس مشاعره. مثال على ذلك قارئة روايات رومانسية تُجرِّب رواية رعب حديثة. قد يكون تفسيرها أكثر تأثراً بجوانب القصة التي تتناغم مع شغفها بالحب والعلاقات، مقارنةً بقارئة روايات الرعب التقليدية.

الكُتّاب والقُرّاء في رحلةٍ مشتركة

القراءة ليست فعلًا فرديًا، بل هي رحلةٌ مشتركة بين الكاتب والقارئ. إنها أشبه برقصة السالسا او الرُّومبا او الفلامينجو بل اشبه حتى برقصة احيدوس،هذه الرقصات التعاونية تُثري فهمنا للأدب، وتُمكِّن القصص من تجاوز أصولها والتأثير في كل فردٍ على حدة. يُلقننا مقال بارت عن موت المؤلف بأن القصص والكتب كائناتٌ حية لا تموت.


هذا المحتوى مقدم من موقع بالواضح

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من موقع بالواضح

منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ 3 ساعات
موقع طنجة نيوز منذ 20 ساعة
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 14 ساعة
هسبريس منذ 4 ساعات
جريدة كفى منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات