كان الإنسان القديم يجهل شكل الأرض، ولا يعرف عدد المجرات، ولا يسمع بشيء اسمه «الاقتصاد العالمي»، ومع ذلك كان أكثر التصاقا بالحياة من الإنسان الحديث الذي يعرف كل شيء تقريبا... ولا يفعل شيئا تقريبا.
لم تكن المعرفة عنده معلومة تُعرف، بل قدرة تُستعمل.
شيئا يُبقيه حيا، لا شيئا يمنحه شعورا مؤقتا بالذكاء.
كان يعرف مواسم المطر ويقرأ الريح كما نقرأ نحن إشعارات الهاتف. إذا أخطأ في تفسير أثر حيوان على التراب، جاع. وإذا أخطأ في تمييز عشبة، مات. المعرفة آنذاك لم تكن ترفا ثقافيا، بل مسألة نجاة. فهو لا «يعلم» فحسب، بل يعيش بسبب ما يعلم.
كانت المعرفة آنذاك عملياتية تنبثق من الحاجة، وتعود إليها.
أما اليوم، فنحن نعيش في سيل لا ينتهي من المعلومات.
نستيقظ صباحا على أخبار الحروب والانهيارات الاقتصادية وذوبان الجليد وارتفاع نسب الاكتئاب، ثم نغلق الهاتف لنبحث عن فيديو قصير يخفف التوتر الذي سببته الأخبار نفسها. صرنا نستهلك الكوارث كما نستهلك الموسيقى. تمر المأساة أمامنا في شاشة بحجم الكف، ثم نمر نحن بعدها إلى وصفة طعام، ثم إلى إعلان عطر، ثم إلى مقطع مضحك. كل شيء متجاور داخل المستطيل نفسه؛ المجاعة والنكتة، الموت والإعلان، الفلسفة وتخفيضات نهاية الأسبوع.
وهكذا لم تعد المشكلة نقص المعرفة، بل تضخمها.
بيد أن الكثرة لم تُنتج القدرة، بل ربما أضعفتها.
وثمة فرق هائل بين أن «تعرف» وأن «تستطيع». الإنسان الحديث يعرف أشياء تفوق ما عرفه فلاسفة العصور كلها مجتمعة، لكنه يشعر بعجز داخلي غامض، كأن المعرفة تتراكم في رأسه دون أن تتحول إلى قوة. يعرف أن النوم المتأخر يدمّره، لكنه يواصل السهر. يعرف أن هاتفه يسرق انتباهه وعمره قطعة قطعة لكنه يعود إليه كل خمس دقائق. يعرف أن القلق يفتك بروحه، وأن المقارنة تستنزفه، وأن الاستهلاك لا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
