التسرع في الحكم على الآخرين معضلة أخلاقية ولا يستند على معايير منطقية بقدر ما يفرز الاضطراب المؤدي بطبيعة الحال إلى شحن النفوس وإثارة البغضاء. وعندما يحب الإنسان أمرا ما فإنه يحيطه بالعناية والرعاية وإبراز كل جميل يمت إليه بصلة، ويغض الطرف عن أي شيء قد يخدش هذا التصور الجميل، بمعنى أنه لا يذكر مساوئه حتى وإن كانت قليلة، وفي مقابل ذلك فإنه حينما يكره أمرا ما فإنه يبرز كل المساوئ التي ترتبط به ويغض الطرف عن الأشياء الجميلة وإن كانت قليلة، اختلال التوازن في التصور على هذا المنوال يسهم في تحييد الموضوعية وتحجيم دورها لأن التصور سينسحب على الحكم وبالتالي فإن الإنصاف سيغادر مثلما غادرت الأشياء السيئة في التصور الجميل والأشياء الجميلة في التصور السيئ، ولما كان الحكم على الشيء فرعا عن تصوره فإن التصور يسبق الحكم في حال توافر المعطيات المساندة للتصور، وفي ضوء ذلك يكون الحكم، الحرص على إطلاق الأحكام واجب أخلاقي من واقع الأمانة في القول والعمل، روي أنه اجتمعت جنازتا رجل وامرأة ممن ماتوا على معاصٍ كبيرة في مسجد، فسأل الناس الإمام أبا حنيفة عن مصيرهما «الجنة أم النار» ؟ أدرك أبو حنيفة أنه ليس في مقام الحكم على مصائر الخلق ولا يملك مفاتيح الجنة ولا النار، ولم يجعل من نفسه قاضيا على النيات والخواتيم فقال قولته البليغة: أقول فيهما ما قال إبراهيم عليه السلام «فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم» وأقول فيهما ما قال عيسى عليه السلام «إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم» وأقول فيهما ما قال نوح عليه السلام «إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون» هكذا ردّ الإمام الأمر إلى الله ووقف عند حدّ عبوديته لله فلم يجزم بمصير ولم يُغلق باب رحمة ولم يتألَّه على الخالق سبحانه وتعالى. إن أعظم ما يُبتلى به البعض أن يتصدّر للحكم على الآخرين، فيوزّعون الجنة والنار بأهوائهم، ويجعلون من أنفسهم أوصياء على رحمة الله وعدله وهذا مسلك بعيد عن روح الإسلام قريب من الجهل، انتقد ما تشاء من الأفعال والأفكار لكن لا تُقحم نفسك في مصائر الخلق فذلك إلى الله وحده مالك الجنة والنار يفعل ما يشاء بحكمة وعدل، ونحن عبيد نقف عند حدودنا، وتكمن المعضلة هنا في تهيئة الخيال المضطرب المهزوز بالدوافع الاستباقية السيئة المبنية على سوء الظن لأرضية تسهم باجترار السيئات، ومن ثم فإن الحكم ليس مكتمل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
