منذ الفكر السياسي الكلاسيكي، كانت السياسة تفهم باعتبارها فعلا جماعيا. يقول Aristote إن الإنسان حيوان سياسي ، أي أن وجوده لا يكتمل إلا داخل المدينة (la cit )، حيث تتشكل الحياة المشتركة. هذه الفكرة ستجد امتدادها لاحقا في

ليس تطور الشعارات السياسية مجرد لعبة لغوية أو تحديث في أدوات التواصل، بل هو في العمق تحول في تصور السياسة لنفسها وللمجتمع الذي تخاطبه، فالشعار ليس زينة خطابية، بل هو مكثف رمزي لرؤية للعالم، ولموقع المواطن داخل هذا العالم.

منذ الفكر السياسي الكلاسيكي، كانت السياسة تفهم باعتبارها فعلا جماعيا. يقول Aristote إن الإنسان حيوان سياسي ، أي أن وجوده لا يكتمل إلا داخل المدينة (la cit )، حيث تتشكل الحياة المشتركة. هذه الفكرة ستجد امتدادها لاحقا في الحداثة السياسية مع Jean-Jacques Rousseau في العقد الاجتماعي contrat social ، حيث لا تقوم الشرعية إلا على الإرادة العامة أي على النحن بوصفها أساسا للسيادة.

بل حتى الثورات المؤسسة للحداثة السياسية، مثل الثورة الفرنسية 1789التي رفعت شعارات ذات طبيعة جماعية كبرى: Libert , galit , Fraternit ، أو إعلان السيادة باسم الشعب le peuple في التجربة الأمريكية. هنا، الفرد لا يظهر إلا باعتباره جزءا من كيان جمعي أكبر منه.

في السياق المغربي المعاصر، ظل هذا المنطق حاضرا في الخطاب الحزبي التقليدي الذي يتمحور حول الأمة، العدالة الاجتماعية، والتنمية باعتبارها مشروعا جماعيا.

لكن مع صعود خطاب جديد لدى (RNI) من خلال شعار المغاربة يستاهلو أحسن ، نلاحظ بداية تحول مهم. فالمخاطب هنا ما يزال جماعيا ( les Marocains )، لكن مركز الخطاب لم يعد هو المشروع الإيديولوجي، بل الإنجاز العمومي والنتيجة الملموسة. نحن أمام انتقال من شرعية الفكرة إلى شرعية الأداء

ثم يأتي شعار مسار الثقة ، ليكشف عن طبقة أعمق من الأزمة السياسية: لم يعد السؤال ماذا نقدم للمواطن فقط، بل هل ما زالت العلاقة بين السياسي والمجتمع قابلة للاستمرار؟ هنا تصبح الثقة رأس مال رمزي مفقود، كما يحلل ذلك Pierre Bourdieu حين يربط الشرعية السياسية بقدرة الخطاب على إنتاج الإيمان الاجتماعي (croyance collective).

لكن التحول الأكثر دلالة يظهر مع شعار أنا كاين الذي تبناه حزب الأصالة والمعاصرة PAM حيث يحدث انقلاب رمزي في بنية الخطاب نفسه: من النحن إلى الأنا .

هذا الانتقال ليس لغويا فقط، بل يعكس تحولات عميقة في البنية الاجتماعية للحداثة المتأخرة. فحسب Alain Touraine، المجتمع لم يعد يبنى حول الطبقات أو الإيديولوجيات، بل حول sujets يبحثون عن الاعتراف بوجودهم. وهنا تلتقي السياسة مع سؤال الهوية: من أنا داخل هذا المجتمع؟

ويذهب Charles Taylor في كتابه The Politics of Recognition إلى أن الإنسان المعاصر لم يعد يطالب فقط بالحقوق، بل بالاعتراف (reconnaissance)، أي الاعتراف بفرادته وكرامته ووجوده المعنوي.

أما Axel Honneth فيعمق هذا التصور، معتبرا أن الصراع الاجتماعي في جوهره لم يعد صراع توزيع فقط، بل صراع اعتراف . وهنا يصبح شعار أنا كاين تعبيرا سياسيا مكثفا عن مطلب وجودي: أن يُرى الفرد، أن يُسمع، وأن يُعترف به داخل المجال العمومي.

لكن هذا التحول يجد جذوره أيضا في تشخيصات نقدية سوسيولوجية لدى Alexis de Tocqueville، الذي حذر مبكرا من أن الديمقراطية الحديثة قد تنتج فردانية مفرطة تؤدي إلى عزلة اجتماعية داخل مجتمع متساو ظاهريا .

وفي السياق المعاصر، يرى Gilles Lipovetsky أن المجتمع دخل مرحلة l hypermodernit ، حيث لم تعد الإيديولوجيات الكبرى تحكم السلوك السياسي، بل أصبحت الذات الفردية، والرغبة، والاعتراف الفوري هي المركز الجديد للمعنى.

أما Michel Maffesoli فيصف هذا التحول بعودة les tribus ، أي تفتت الانتماء الجماعي إلى أشكال صغيرة من الانتماء العاطفي والرمزي، بدل الانتماء السياسي الكلاسيكي.

في المقابل، يذكرنا Hannah Arendt بأن السياسة لا تقوم إلا داخل الفضاء العمومي حيث يظهر الناس لبعضهم البعض كـ نحن ، لا كذوات معزولة. فكلما تضخم حضور أنا ، تآكلت إمكانية الفعل المشترك.

من هنا يمكن فهم التحول في الشعارات المغربية كمسار ثلاثي البنية:

من شرعية الاستحقاق الجماعي: المغاربة يستاهلو أحسن

إلى شرعية الثقة المؤسسية: مسار الثقة

إلى شرعية الوجود الفردي: أنا كاين

إنها ليست مجرد مراحل خطابية، بل تحول في بنية الشرعية السياسية نفسها: من الأمة إلى الأداء، ومن الأداء إلى الاعتراف، ومن le peuple إلى le sujet .

خلاصة

يمكن القول إن ما يحدث في الشعارات السياسية المغربية ليس تحديثا تواصليا، بل إعادة تشكيل عميقة لعلاقة السياسة بذاتها. فالنخبة الحزبية لم تعد تخاطب المواطن بوصفه عضوا في مشروع جماعي، بل بوصفه ذاتا تبحث عن الاعتراف داخل مجتمع يتغير إيقاعه من الجماعة إلى الفرد، ومن الإيديولوجيا إلى التجربة، ومن le nous politique إلى le moi social .

غير أن المفارقة الجوهرية تكمن في أن السياسة، كما تؤكد Hannah Arendt، لا تستقيم إلا بوصفها فعلا جماعيا داخل فضاء مشترك. لذلك فإن أخطر ما قد يترتب عن هذا التحول ليس صعود الفرد في الخطاب، بل احتمال تآكل القدرة على إنتاج نحن قادرة على حمل المشروع السياسي.

وهكذا يصبح السؤال النهائي ليس: كيف نقول أنا كاين ؟

بل: كيف يمكن إعادة بناء نحن دون سحق الأنا ، وكيف يمكن تحويل الاعتراف الفردي إلى أساس جديد لشرعية جماعية لا تنكر الفرد ولا تذيب المجتمع؟

في هذا التوتر بالضبط، يُعاد تعريف السياسة في زمن المغرب المعاصر.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 8 ساعات
جريدة كفى منذ 13 ساعة
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 54 دقيقة
هسبريس منذ 5 ساعات
موقع بالواضح منذ 8 ساعات
أشطاري 24 منذ 10 ساعات