خلال الأشهر القليلة المقبلة، تستعد أبوظبي لإطلاق المرحلة الأولى من مشروع «ستارغيت الإمارات» العملاق، بكلفة تتجاوز 30 مليار دولار، في خطوة من شأنها تعزيز موقع الإمارات مركزاً عالمياً لاقتصاد المعرفة وخلق فرص جديدة للمواطنين والشركات في المنطقة العربية.
ما هو ستارغيت الإمارات؟
«ستارغيت» ليس مبنى واحداً، بل مجمّع كامل من مراكز البيانات الذكية، أي مبانٍ مخصّصة تحتوي على آلاف الحواسيب الفائقة القوة التي تُدرَّب عليها برامج الذكاء الاصطناعي من تطبيقات مثل «تشات جي بي تي» إلى أنظمة تحليل البيانات الطبية، ومن مساعدات افتراضية في المدارس إلى محرّكات لإدارة شبكات الكهرباء.
ولأنّ مشروعاً بهذا الحجم يحتاج إلى تكامل خبرات لا تتوفّر في شركة واحدة، تشاركت في تنفيذه ستّ شركات عالمية كبرى، تتوزّع المسؤوليات بينها بشكل واضح:
مجموعة جي42 الإماراتية تتولى البناء والإشراف العام، عبر ذراعها التنفيذية «خزنة لمراكز البيانات».
شركة أوبن إيه آي الأميركية (المطوِّرة لـChatGPT) وشركة «أوراكل» تُشغّلان المنصّة وتديران برامجها.
شركة إنفيديا تزوّد المشروع بآلاف الشرائح الإلكترونية الأقوى في العالم من فئة «غريس بلاكويل».
شركتا سيسكو وسوفت بنك تكملان الشبكة من جهة الأمن السيبراني والتمويل.
وعند اكتماله، ستبلغ قدرة المجمّع 5 غيغاواط أي طاقة تكفي لتشغيل مدينة كبيرة كاملة.
أمّا المرحلة الأولى التي تنطلق قريباً، فتبدأ بـ200 ميغاواط، وهي خطوة كافية لتجعل الإمارات صاحبة أكبر منشأة من نوعها خارج الولايات المتحدة الأميركية، بمعنى أن ما يجري في أبوظبي ليس مجرّد مشروع وطني، بل لحظة تأسيسية تنقل المنطقة العربية إلى قلب صناعة المستقبل.
الإمارات.. إنتاج أول 200 ميغاواط من «ستارغيت» للذكاء الاصطناعي في 2026
لماذا يُعدّ هذا المشروع نقلة استثنائية؟
تقدير شركة «بي دبليو سي» يضع مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإماراتي بحلول 2030 عند 96 مليار دولار أي 13.6% من حجم الاقتصاد، وهي النسبة الأعلى في العالم. أمّا على المستوى الإقليمي، فمن المتوقّع أن يضيف الذكاء الاصطناعي 320 مليار دولار إلى الناتج العربي بحلول العام نفسه.
الإمارات أصبحت أيضاً أول دولة في العالم تُتيح الوصول إلى ChatGPT على نطاق وطني، عبر شراكة مع «أوبن إيه آي» تدمج الأداة في خمسة قطاعات حيوية: الحوكمة، والصحة، والتعليم، والطاقة، والنقل. ما يعني أن كلّ مواطن ومقيم سيستفيد بشكل مباشر من بنية «ستارغيت» في حياته اليومية.
المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في كلمتها بدبي في فبراير 2026، رصدت أن «الإمارات تستفيد بنسبة 80% من أداء الاقتصاد غير النفطي»، فيما يتوقّع المصرف المركزي الإماراتي نموّاً 5.6% خلال 2026.
ويرى جاستن ألكسندر، مدير شركة «خليج إيكونوميكس» وزميل في معهد بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس، في تصريحاته لـ«إرم بزنس»، أن ستارغيت «هو الأبكر بين المشاريع الخليجية الكبرى، ما يمنح الإمارات ميزة الريادة».
ويوضح أن دور المنشآت الإماراتية لن يقتصر على خدمة المنطقة، بل سيمتدّ «إلى دول إفريقية وآسيوية ترتبط بالخليج عبر كابلات بحرية منخفضة الكمون».
أمّا الاستثمار، فيُعتبر «جزءاً نسبياً من إجمالي أصول الثروة السيادية الإماراتية»، أي إنه استثمار ذكي ومتوازن ضمن منظومة استثمارات متنوّعة.
ويؤكّد أن الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي ضخم، وأن «الشركات الكبرى وصناديق الثروة الخليجية تستثمر بتوقّع معقول لعائد كبير».
كوريا الجنوبية توافق على الانضمام لمشروع «ستارغيت الإمارات»
طاقة نظيفة لمستقبل ذكي
لتشغيل هذه القدرة الحاسوبية الضخمة، اعتمدت الإمارات منذ البداية على مزيج متطوّر من الطاقة النظيفة والمستدامة. تتقدّم القائمة محطة براكة النووية بمفاعلاتها الأربعة وقدرتها 5.6 غيغاواط، وهي إحدى أنظف محطات الطاقة في العالم.
يكمّلها مشروع الظفرة الشمسي بقدرة 2 غيغاواط في ذروة الإشعاع، إلى جانب شبكة الغاز الطبيعي الإماراتية المتطوّرة كاحتياطي مرن. هذا المزيج الذكي يجعل «ستارغيت» أحد أكثر مراكز البيانات استدامةً وصداقةً للبيئة عالمياً، وفي قلب توجّه الإمارات نحو الحياد الكربوني.
وتؤكّد هذا التوجّه كارول نخلة، الرئيسة التنفيذية لشركة «كريستول للطاقة»، في تصريحاتها لـ«إرم بزنس»، إذ ترى أن الإمارات «تمتلك واحداً من أكثر أنظمة الطاقة تطوّراً وتنوّعاً في المنطقة، مع سجل قوي في تنفيذ مشاريع الطاقة الكبرى».
وتعتبر أن استراتيجية النووي الشمسي الغاز «توفّر أساساً متيناً لدعم الصناعات كثيفة الاستهلاك، بما فيها الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات»، موضحةً أن «النووي يقدّم طاقة أساسية موثوقة، والشمسي يواصل التوسّع بسرعة، والغاز الطبيعي يوفّر المرونة الجوهرية».
وتقرأ نخلة أي توسعات إضافية في الطاقة على أنها «تطوّر طبيعي لاستراتيجية الطاقة الإماراتية»، مشيرةً إلى أن نمو الطلب الكهربائي بقيادة الذكاء الاصطناعي «يُعزّز أهمية الغاز الطبيعي ضمن المزيج الإماراتي، وهو تذكير بأن النفط والغاز سيظلّان يلعبان دوراً مهماً في تشغيل النمو الاقتصادي إلى جانب مصادر الطاقة الأقل كربوناً».
وتختم: «الإمارات تدخل سباق الذكاء الاصطناعي بميزة كبيرة بفضل مزيج طاقتها المتنوّع، ومقاربتها المتكاملة لتخطيط الطاقة تضعها في موقع قوي لدعم بنية الحوسبة واسعة النطاق، مع مواصلة توسيع اقتصادها الرقمي الأوسع».
«أوبن إيه آي» و«أوراكل» تطوران مراكز بيانات «ستارغيت» في أميركا
كيف سيستفيد المواطن والشركات؟
الأثر الأكبر للمشروع سيظهر في حياة الناس اليومية. خدمات حكومية أسرع وأذكى، تشخيصات طبية أوّلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مناهج دراسية تفاعلية تتكيّف مع كل طالب، شبكات نقل وطاقة أكثر كفاءة.
وعلى صعيد العمل، تُعلن مجموعة جي42 وحدها عن مئات الوظائف عالية القيمة في هندسة التعلّم الآلي والأمن السيبراني والحوسبة السحابية، فيما تبني شركة مبادلة منظومة كاملة من الشركات المتخصصة (إم جي إكس، خزنة، بيانات، إيه آي كيو)، وتستهدف جي42 بناء مليار «وكيل ذكاء اصطناعي» خلال العام الحالي وكلاء افتراضيون قادرون على تنفيذ مهام كاملة داخل المؤسسات والشركات.
ويرى ألكسندر ميركوشيف، رئيس مشاريع الذكاء الاصطناعي في شركة يانغو تك، في تصريحاته لـ«إرم بزنس»، أن «ستارغيت» يضع الإمارات «في موقع المركز العالمي للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي»، ويخلق «بيئة جاذبة للشركات الناشئة والكفاءات المتخصصة لتطوير حلولها وتوسيع نطاق أعمالها محلياً، بدلاً من الاعتماد الكامل على البنية التحتية الموجودة في الولايات المتحدة أو أوروبا أو آسيا».
ويُحدّد أربعة قطاعات إماراتية مرشّحة للاستفادة الأسرع: الخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا المالية، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الحكومية، مع فرص واسعة للشركات الناشئة المتخصصة في تطوير الجيل القادم من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويشير ميركوشيف إلى أن المشروع يفتح أيضاً فرصة كبيرة لتطوير الكفاءات المحلية، إذ سيوفّر فرص عمل ومسارات مهنية متقدّمة في الذكاء الاصطناعي للمواطنين والمقيمين، وسيقدّم بيئة تطبيقية ثرية لخرّيجي جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ومؤسسات التعليم العالي الأخرى.
ويتوقّع ميركوشيف نموّاً متسارعاً للسوق، يتّسع للجميع، وأن يصبح القطاع الإماراتي للذكاء الاصطناعي «منظومة متكاملة تجمع البنية التحتية ومطوّري التكنولوجيا وشركاء التنفيذ».
الإمارات تتصدر تبنّي الذكاء الاصطناعي في التسوق الرقمي
بُعد عربي.. أبوظبي تفتح الباب للمنطقة
بدر بن دلهم الهاجري، رئيس الاتحاد العربي للذكاء الاصطناعي والبرمجة، يؤكّد لـ«إرم بزنس» أن «ستارغيت» «يتجاوز كونه مشروعاً وطنياً إماراتياً ليُعدّ إنجازاً عربياً بكل المقاييس، ويضع المنطقة العربية لأول مرة على خريطة مراكز الذكاء الاصطناعي العالمية».
ويرى أن نجاح الإمارات في جذب شراكات بهذا الحجم يفتح الطريق أمام بقية الدول العربية لبناء مشاريع مماثلة بشراكات إقليمية وعالمية.
ويعمل الاتحاد على ثلاث مبادرات لتوسيع دائرة الاستفادة العربية: برامج تدريب عربية عابرة للحدود بالتعاون مع الجامعات وشركات التكنولوجيا الكبرى، وحاضنات افتراضية تتيح للمطوّرين العرب العمل من بلدانهم، وأرصدة حوسبية ومنح بحثية تفتح للشباب العربي وصولاً مباشراً إلى أحدث المنصّات.
ويصف الهاجري «ستارغيت» بأنّه «اختبار حقيقي لقدرة العالم العربي على الانتقال من موقع المتابع للتقنيات العالمية إلى موقع الشريك في صناعتها» وهو اختبار يبدو أن الإمارات تتقدّم في اجتيازه بثقة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
