في اعتراف حكومي يكشف حجم التدهور الذي أصاب قطاع الطاقة في اليمن، أعلن وزير النفط والمعادن محمد عبدالله بامقاء أن الحكومة تتجه نحو استيراد الغاز المنزلي من الخارج بعد أن أصبح الإنتاج المحلي غير قادر على تلبية احتياجات السوق، في تحول لافت لدولة كانت حتى سنوات قليلة مضت من أبرز منتجي ومصدري الغاز الطبيعي في المنطقة.
وجاءت تصريحات الوزير لتسلط الضوء على أزمة متفاقمة في قطاع الغاز، لكنها في الوقت نفسه أعادت فتح ملف الاختلالات المزمنة التي تعاني منها منشأة صافر وشركة الغاز، بدءاً من الفساد الإداري وسوء إدارة الموارد، مروراً بالتقطعات القبلية المتكررة التي تستهدف خطوط النقل، وانتهاءً بغياب الرؤية الحكومية لمعالجة الأزمة المتصاعدة.
وأكد بامقاء أن إنتاج منشأة صافر في محافظة مأرب لا يتجاوز حالياً 54 مقطورة غاز يومياً، وهي كمية لا تكفي لتغطية احتياجات المناطق المحررة، مقارنة بنحو 128 مقطورة يومياً كانت تنتج قبل سنوات وتغطي احتياجات مختلف المحافظات اليمنية، بما فيها المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي.
ورغم إقرار الوزير بحجم التراجع الحاد في الإنتاج، إلا أنه تجنب تقديم تفسير واضح للأسباب الحقيقية التي أوصلت القطاع إلى هذه المرحلة الحرجة، مكتفياً بالإشارة إلى الحاجة لموارد مالية كبيرة، في وقت يرى فيه مراقبون أن الأزمة تتجاوز الجانب المالي إلى مشكلات هيكلية متراكمة تتعلق بالإدارة والرقابة والفساد.
ويؤكد مختصون أن منشأة صافر واجهت خلال السنوات الماضية سلسلة من التحديات، أبرزها التقطعات القبلية المتكررة التي كانت تؤدي إلى تعطيل إمدادات الغاز وابتزاز السلطات للحصول على مكاسب ومطالب خاصة، فضلاً عن اتهامات متواصلة بوجود فساد داخل شركة الغاز وآليات التوزيع، ما ساهم في خلق أزمات متكررة ورفع معاناة المواطنين.
وزادت الأزمة تعقيداً بعد التوسع في استخدام الغاز لأغراض تجارية وتشغيل المركبات، وهو ما أقر به وزير النفط نفسه عندما حمّل قيادة شركة صافر مسؤولية تحويل جزء من الإنتاج إلى السوق التجارية، الأمر الذي أدى إلى استنزاف كميات كانت مخصصة للاستهلاك المنزلي، ودفع آلاف السيارات إلى العمل بالغاز بدلاً من البنزين.
ويطرح هذا الإقرار تساؤلات حول أسباب غياب التخطيط المسبق والرقابة الحكومية على سياسات توزيع الغاز، وكيف تم السماح بتحويل جزء من الإنتاج إلى استخدامات تجارية في ظل محدودية الموارد وارتفاع الطلب المحلي، الأمر الذي ساهم في تعميق الاختلالات الحالية.
ويبدو المشهد أكثر إثارة للجدل في ظل تمسك الحكومة بمشروع بلحاف لتصدير الغاز الطبيعي، رغم حديثها المتزامن عن الحاجة إلى استيراد الغاز المنزلي من الخارج. فبينما تعلن السلطات عجزها عن توفير احتياجات السوق المحلية، تواصل التفاوض مع الشركاء والشركة المشغلة لمشروع بلحاف بهدف تمديد الاتفاقيات والحفاظ على المشروع التصديري.
ويرى مراقبون أن هذا التناقض يعكس غياب استراتيجية واضحة لإدارة الثروة الغازية، حيث تبدو الأولويات الحكومية مشتتة بين البحث عن عوائد التصدير من جهة، ومحاولة معالجة أزمة نقص الغاز المنزلي من جهة أخرى، دون معالجة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تراجع الإنتاج المحلي.
وكشف الوزير عن اتفاق مع الشركاء في مشروع بلحاف على تخصيص كميات من الغاز لتوليد ألف ميجاوات من الكهرباء عبر محطة غازية جديدة، إضافة إلى إعداد الدراسات الفنية اللازمة للمشروع. غير أن هذه الخطط ما تزال تواجه تحديات التمويل والتنفيذ، بينما تستمر أزمة الغاز المنزلي في الضغط على المواطنين بشكل يومي.
ويؤكد خبراء أن الحلول المستدامة لا تكمن في استيراد الغاز من الخارج فحسب، بل تبدأ بإصلاح جذري لمنظومة الإنتاج والتوزيع، وإنهاء نفوذ شبكات الفساد، ووقف الابتزاز والتقطعات التي تستهدف خطوط النقل، إلى جانب إعادة هيكلة شركة الغاز وتعزيز الرقابة على موارد الدولة.
ومع اقتراب اليمن من التحول رسمياً إلى دولة مستوردة للغاز المنزلي، تتصاعد التساؤلات حول الكيفية التي وصلت بها البلاد، التي تمتلك احتياطيات كبيرة ومشروعات تصديرية عملاقة، إلى مرحلة العجز عن توفير احتياجات مواطنيها من واحدة من أهم السلع الأساسية، في مشهد يعكس حجم التحديات والإخفاقات التي تواجه قطاع الطاقة خلال السنوات الأخيرة.
هذا المحتوى مقدم من نافذة اليمن
