إذا كان تأويل الأحداث والتحولات الكبرى، في القرن العشرين وبدايات القرن الجاري، غير ممكن إلا عبر جمل مفاهيمية محدّدة، يحتل مفهوم الغرب مكانة مركزية فيها، فإن ما يشهده العالم، منذ سنوات، يدفع إلى إعادة النظر في منظومة الجمل المفاهيمية التي سادت طويلاً، ومن بينها مفهوم الغرب نفسه، الذي قُدم على الدوام بوصفه مركز النظام الدولي، وصانع القواعد، ومصدر الشرعية السياسية والقانونية، وأكبر قوة صلبة عالمية، وأهم محدد للمعايير، لكن هذا الغرب الذي عرفه العالم لم يعد اليوم ذاته كما كان عليه في القرن الماضي، فمشهد الانزياحات الكبرى بات مملوءاً بالمنعطفات والتفاصيل.
تَشكل مفهوم الغرب كتركيب متداخل بين الليبرالية والديمقراطية والتطور، التكنولوجي والعسكري والمالي، وخاض هذا الغرب صراعاته مع الآخرين، بوصفه المعيار الأساس الذي ينبغي أن يتبناه التاريخ، وهو ما كثفه المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما في أطروحته «نهاية التاريخ»، التي روّج فيها لانتصار حاسم لليبرالية الغربية، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، لكن فوكوياما نفسه، عاد في الأعوام الأخيرة لينقض تلك الأطروحة، بل وذهب نحو نقد حالة التراجع التي تشهدها الديمقراطية الأمريكية، وانهيار الثقافة السياسية العامة، وتراجع الثقة بالمؤسسات.
إن التبشير بنهاية التاريخ، وانتصار الليبرالية، لم يكن مجرد أطروحة فكرية لمفكر وأستاذ جامعي، حقّقت انتشاراً وجدلاً واسعين، وإنما دعاية للانتصار النهائي للغرب الأمريكي، وبالتالي، التبشير بحقه في إرساء نظام دولي أحادي القطب، تحدد فيه واشنطن مصالح جميع اللاعبين، الدوليين والإقليميين، والأدوار المنوطة بكل واحد منهم، وفرض الحلول بالطريقة التي تناسبها، عبر عولمة التجارة والاقتصاد، والانتقال الحرّ لرأس المال، العابر للقوميات والحدود.
ما جعل من الغرب قوة مركزية في النظام الدولي، لم يكن قدرته الهائلة على إنتاج أدوات القوة فقط، وإنما إنتاج المعيار، فقد أصبح الغرب وحدة قياس معيارية، يتحدّد من خلالها من يحوز الشرعية، ومن هو النظام الديمقراطي، وما هو القانوني، وما هو المقبول دولياً، وأصبح ممكناً وواقعياً أن تقوم الولايات المتحدة بشن حرب ضد بلد آخر لإزاحة من تعتبره مستبداً، تحت راية تحرير الشعوب، وإرساء قيم الحرية والديمقراطية، ولو كان الثمن هو تحويل دولة ما، إلى دولة فاشلة، بعد تدمير مؤسساتها، وحلّ جيشها، وفتح المجال أمام انتهاك أطراف إقليمية لسيادة هذه الدولة، كما حدث مع احتلالها للعراق في عام.
إن هــذه المـــعيارية التي امتلكها الغـرب، وجعلها القيمة بالتعــــريف،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
