لم يكن تصدر المغرب للمشهد الصناعي في أفريقيا ضمن مؤشر صادر عن البنك الأفريقي للتنمية، مجرد صدفة أو إنجازاً طارئاً، بل كان تتويجاً لمسار تحول اقتصادي امتد لأكثر من عقدين ارتكز على سياسات داعمة للتصنيع المحلي وجاذبة للاستثمارات.
كشف المؤشر، الذي يقيس جودة التصنيع وتنافسيته في دول القارة لسنة 2025، أن المملكة تجاوزت لأول مرة جنوب أفريقيا التي احتفظت بالصدارة منذ إطلاق المؤشر قبل 16 سنة، في تحول يعكس انتقالاً تدريجياً من اقتصاد تقليدي إلى نموذج قائم على التصنيع والتصدير.
تأتي وراء هذا التحول ثلاثة عوامل رئيسية، هي تحديث صناعي مستمر، وتنويع متسارع في الصادرات، وفعالية السياسات الصناعية.
لكن التقرير يرسم في الوقت ذاته صورة لقارة تتقدم بوتيرة متفاوتة، رغم تسجيل 41 دولة من أصل 54 تقدماً في مستويات التصنيع منذ 2010. داخل هذا السياق القاري، بدا المسار المغربي أكثر ديناميكية. حيث تضاعفت الصادرات الصناعية خلال العقد الماضي لتصل إلى 408 مليارات درهم (44.3 مليار دولار) العام الماضي، مدفوعةً أساساً بصعود قطاعي السيارات والطيران، اللذين تحولا إلى ركيزتين أساسيتين في صادرات البلاد.
والمُؤشر لا يركز على حجم القطاع الصناعي في الاقتصادات، بل يرصد جودة التصنيع والتنافسية والبنية التحتية والتنوع في الصادرات والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
صناعة السيارات والطيران في المغرب تعكس الأرقام بوضوح التحول الذي حققه المغرب في مجال التصنيع. فصادرات السيارات وحدها وصلت إلى 58.2 مليار درهم حتى نهاية أبريل بزيادة 18.6% على أساس سنوي، حيث انتزع القطاع قبل سنوات الصدارة من الفوسفات الذي يمتلك المغرب نحو 70% من احتياطيه العالمي.
تقف خلف هذه الأرقام منظومة صناعية باتت أكثر نضجاً، حيث تتجاوز الطاقة الإنتاجية لصناعة السيارات مليون مركبة سنوياً مع طموح للوصول إلى مليوني مركبة بنهاية العقد الجاري. يضم القطاع أكثر من 260 شركة، ويشغل ما يزيد عن 230 ألف عامل، وهي منظومة تقودها شركتا "ستيلانتيس" و"رينو".
بينما سجل قطاع صناعة الطيران صادرات بقيمة 11 مليار درهم خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام بارتفاع سنوي يناهز 15.9%. ويعمل بالقطاع أكثر من 145 شركة، مع صادرات بلغت 29 مليار درهم خلال العام الماضي، مدفوعةً بحضور مجموعات عالمية كبرى مثل "إيرباص" و"بوينغ" و"سافران" و"هكسيل".
هذا التحول الصناعي لم يأت بمعزل عن رؤية اقتصادية. فالمملكة جعلت الصناعة محوراً أساسياً في النموذج التنموي الجديد، مع تركيز متزايد على التصدير. رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أكد في جلسة في البرلمان في أبريل الماضي، أن المغرب جعل من الصناعة أحد أعمدة تحوله الاقتصادي، فيما أشار وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، في مايو أمام المشرعين، إلى أن رهان البلاد هو تعزيز السيادة الاقتصادية عبر دعم الإنتاج المحلي والابتكار وخلق فرص عمل مستدامة.
الاستثمار في البنية التحتية يقف الاستثمار المكثف في البنية التحتية في صلب هذا النجاح الصناعي. بجوار "ميناء طنجة المتوسط"، وهو الأكبر في أفريقيا والبحر المتوسط، هناك منطقة صناعية ضخمة تضم أكبر مصنع للسيارات في القارة تابع لشركة "رينو" الفرنسية.
أصبح هذا الميناء بوابة رئيسية لاندماج المغرب في التجارة العالمية، إلى جانب مناطق صناعية متكاملة وشبكات لوجستية متطورة، سمحت بربط الإنتاج المحلي مباشرة بسلاسل القيمة العالمية.
محمد عربوش، خبير اقتصادي أول لدى "مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد" (PCNS)، في الرباط، اعتبر أن ما تحقق هو ثمرة استراتيجية صناعية ممتدة لعقدين، قامت على الاستثمار في البنية التحتية وتطوير قطاعات تصديرية عالية القيمة.
استفاد المغرب من موقعه الجغرافي القريب من أوروبا، ومن استقرار مؤسساته، ومن شبكة اتفاقيات تجارة حرة جعلته وجهة مفضلة للشركات متعددة الجنسيات، بحسب عربوش.
يحتل ميناء "طنجة المتوسط" المرتبة السادسة عالمياً في مؤشر أداء الموانئ لسنة 2025 الصادر عن البنك الدولي و"إس أند بي غلوبال". ويتوقع أن يدشن المغرب هذا العام ميناء "الناظور غرب المتوسط" هذا العام لزيادة تنافسيته في البحر المتوسط، كما يبني ميناء "الداخلة" على المحيط الأطلسي لزيادة التجارة مع القارتين الأفريقية والأميركية.
يوسف كراوي، رئيس المركز المغربي للتسيير والتدبير، قال إن تصدر المغرب لمؤشر التصنيع الأفريقي كان "متوقعاً نظراً للجهود المبذولة لجذب الاستثمارات الأجنبية الباحثة عن الاستقرارين الأمني والسياسي". وأضاف لـ"الشرق": "هذه أمور يوليها المستثمرون أهمية كبيرة، ناهيك عن وجود رؤية استراتيجية للتحول الصناعي جرى تفعيلها عبر إطلاق عدة مخططات قطاعية".
قفزة في الاستثمارات الأجنبية لا يزال المغرب يراهن على ضخ استثمارات حكومية ضخمة في البنية التحتية، حيث.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اقتصاد الشرق مع Bloomberg



