حفيظ دراجي ومقارنة قطر بالمغرب: حين يصبح التعادل أمام البرازيل خسارة بمنطق انتقائي

لم تمر تدوينة الإعلامي والمعلق الرياضي حفيظ دراجي، عقب تعادل المنتخب المغربي أمام البرازيل، دون أن تثير نقاشا واسعا، ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب المقارنة التي اختار أن يبني عليها موقفه. فقد كتب متسائلا: إذا كان المنتخب القطري قد كسب نقطة ثمينة بتعادله أمام سويسرا، فهل يمكن القول إن المنتخب المغربي خسر نقطتين أمام البرازيل؟ ، قبل أن يضيف أن المغرب ضيّع الفوز ، وأن نقطة التعادل أنقذت بداية البرازيل في المونديال .

في ظاهر العبارة، يبدو الكلام تحليلا رياضيا عاديا: فريق تعادل، لكنه كان قادرا على الفوز، وبالتالي خسر نقطتين. غير أن التمعن في بنية المقارنة يكشف أنها ليست بريئة من الارتباك المنهجي، لأنها تضع حالتين مختلفتين في السياق والقيمة الفنية والرمزية داخل ميزان واحد، ثم تستخرج منهما خلاصة جاهزة: قطر كسبت، والمغرب خسر. وهنا تحديدا يبدأ الخلل.

المقارنة بين قطر وسويسرا من جهة، والمغرب والبرازيل من جهة أخرى، لا تستقيم إلا إذا تشابهت شروط المباراتين: مستوى الخصم، ميزان التوقعات، تاريخ المنتخبين، طبيعة الأداء، مجريات اللقاء، وحجم الضغط قبل المباراة. أما أن يُختزل كل ذلك في نتيجة واحدة هي التعادل ، ثم تُمنح نقطة قطر صفة الثمينة ، بينما تُحمّل نقطة المغرب معنى الخسارة ، فذلك ليس تحليلا كاملا، بل انتقاء للزاوية التي تخدم الانطباع المراد ترسيخه.

في كرة القدم، لا تقاس قيمة التعادل فقط بعدد الفرص الضائعة، بل تقاس أيضا بقوة المنافس وبالسياق العام للمباراة. التعادل أمام البرازيل ليس كأي تعادل؛ لأن اسم البرازيل وحده يحمل ثقلا تاريخيا وفنيا ونفسيا لا يحتاج إلى شرح. لذلك، حين يخرج منتخب عربي أو إفريقي بنتيجة إيجابية أمام منتخب من هذا الحجم، فإن القراءة الطبيعية تبدأ من الاعتراف بقيمة النتيجة، قبل الانتقال إلى نقاش ما إذا كان الفوز ممكنا أو ضائعا.

وهذا لا يعني أن المنتخب المغربي لم يكن قادرا على تحقيق أكثر من التعادل. قد يكون ذلك صحيحا من زاوية مجريات المباراة. وقد يكون القول إن المغرب أهدر فرصة للفوز رأيا رياضيا مشروعا. لكن غير المشروع مهنيا هو بناء المقارنة بطريقة تجعل التعادل نفسه يتحول إلى إنجاز عندما يتعلق الأمر بمنتخب، وإلى شبه إخفاق عندما يتعلق الأمر بمنتخب آخر واجه خصما أكبر وأثقل تاريخيا.

هنا تظهر المشكلة بوضوح: دراجي لم يطرح سؤالا تحليليا محايدا بقدر ما صاغ مفارقة تحمل حكما ضمنيا. فهو لم يقل مثلا: هل كان المغرب قادرا على الفوز؟ ، وهذا سؤال مشروع ومهني. بل اختار أن يضع المغرب في مواجهة قطر، وأن يجعل نقطة قطر مكسبا ، ونقطة المغرب خسارة ، رغم أن المقارنة بين الخصمين لا تخدم هذا الاستنتاج بسهولة. فسويسرا منتخب محترم ومنظم، لكن البرازيل تبقى اسما مختلفا تماما في كرة القدم العالمية. ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي: لماذا اختار دراجي هذه المقارنة تحديدا؟ ولماذا لم يقرأ تعادل المغرب أولا من زاوية قيمة الخصم، ثم يناقش بعد ذلك تفاصيل الأداء؟

الأخطر في مثل هذه التدوينات أن ظاهرها رياضي، لكن أثرها يتجاوز الرياضة. فهي لا تقدم تحليلا تكتيكيا واضحا، ولا تفكك نقاط قوة المغرب وضعفه، ولا تشرح أين ضاع الفوز، ولا بأي قرارات أو تفاصيل فنية أنقذت نقطة التعادل بداية البرازيل. بل تكتفي بصياغة ذكية في ظاهرها، لكنها تترك لدى المتلقي إحساسا بأن النتيجة المغربية يجب ألا تُرى كإنجاز، بل كفرصة مهدورة. وهذا في حد ذاته ليس تحليلا، بل توجيه للانطباع.

الصحافي الرياضي، خصوصا حين يكون صاحب حضور جماهيري واسع ويشتغل داخل مؤسسة إعلامية دولية، لا يُحاسب فقط على الكلمات، بل على المعايير التي يستعملها. فإذا كان التعادل أمام سويسرا يستحق الإشادة لأنه منح قطر نقطة ثمينة، فمن باب أولى أن يُقرأ التعادل أمام البرازيل بكثير من الإنصاف. وإذا كان المنتخب المغربي قد ضيع الفوز فعلا، فإن ذلك ينبغي أن يقال ضمن تحليل يرفع من قيمة الأداء المغربي، لا ضمن تركيب لغوي يجعل النتيجة تبدو أقرب إلى الخيبة.

التحليل الرياضي الحقيقي لا ينتقي الزاوية الأشد قسوة على طرف والأكثر لطفا مع طرف آخر. التحليل المحترم يبدأ من الوقائع، لا من المزاج. يقارن بين الخصوم، يقرأ مجريات اللعب، يضع النتيجة في سياقها، ثم يخرج بخلاصة متوازنة. أما المقارنة التي قدمها دراجي، فهي مقارنة ناقصة لأنها تعزل النتيجة عن سياقها، وتتعامل مع التعادل كرقم جامد، لا كحصيلة تتغير قيمتها حسب الخصم والظروف والأداء.

وحتى إن افترضنا حسن النية كاملا، فإن التدوينة تعكس على الأقل مشكلة في الصياغة وفي ترتيب الأولويات. لأن الصحافي الذي يعرف ثقل الكلمات كان عليه أن ينتبه إلى أن وضع المغرب وقطر في هذه الثنائية سيُقرأ باعتباره محاولة لتقليل قيمة تعادل المغرب أمام البرازيل. وكان عليه، إن أراد الإنصاف، أن يقول بوضوح: المغرب حقق نتيجة مهمة أمام خصم كبير، لكنه كان قادرا على الفوز. هذه جملة تجمع بين الاعتراف والنقد. أما أن تبدأ المقارنة من قطر ثم تنتهي إلى أن المغرب خسر نقطتين، فذلك يجعل النقد يبدو وكأنه يبحث عن زاوية سلبية بأي ثمن.

المسألة لا تتعلق بالدفاع الأعمى عن المنتخب المغربي، ولا برفض النقد، ولا بمطالبة الصحافيين بالتصفيق. بالعكس، النقد مطلوب، بل ضروري. لكن النقد شيء، وتغليف التقليل من قيمة الأداء في ثوب التحليل شيء آخر. المنتخب المغربي لا يحتاج إلى مجاملة من دراجي أو غيره، لكنه يستحق قراءة عادلة، خصوصا عندما يواجه منتخبا من حجم البرازيل ويخرج بنتيجة تفرض الاحترام.

ولذلك، فإن هذه التدوينة تفتح مرة أخرى سؤال الحياد في الإعلام الرياضي العربي. هل يكتب بعض المعلقين عن المباريات بالمعيار نفسه؟ هل تتغير اللغة عندما يكون الطرف مغربيا؟ هل يصبح الإنجاز أقل قيمة لمجرد أن صاحبه منتخب لا ينسجم مع مزاج سياسي أو خلفية وطنية معينة؟ لا يمكن الجزم بالنوايا، ولا يجوز إصدار أحكام قطعية على ما في الصدور، لكن من حق الجمهور أن يحاكم الخطاب من خلال عباراته ومقارناته وزوايا النظر التي يختارها.

حين يخلط الصحافي بين موقعه كمحلل وبين حساسيته الشخصية، يخسر شيئا من مصداقيته. وحين تبدو لغته أكثر حرصا على نزع القيمة من نتيجة معينة بدل تفسيرها، يصبح السؤال مشروعا حول حدود المهنية. فالرياضة، في أصلها، مساحة للتنافس النبيل، لا منصة لتصفية الانطباعات ولا لتسريب المواقف المغلفة بعبارات تبدو فنية.

لقد كان بإمكان دراجي أن يقول إن المغرب أزعج البرازيل، وإنه كان قريبا من الفوز، وإن التعادل نتيجة مهمة لكنها لا تخفي فرصة ضائعة. لو قال ذلك، لكان تحليلا قويا ومنصفا. لكنه حين اختار المقارنة بين نقطة قطر ونقطة المغرب، فقد وضع نفسه داخل منطقة رمادية: منطقة تبدو فيها الكلمات رياضية، لكن أثرها النفسي والإعلامي يوحي بغير ذلك.

والخلاصة أن المشكلة ليست في القول إن المغرب ضيع الفوز؛ فهذا رأي قابل للنقاش. المشكلة في الطريقة التي صيغ بها الرأي، وفي المقارنة التي منحت القيمة لطرف وسحبتها من طرف آخر دون معيار واضح. وهنا بالضبط يسقط التحليل في الانتقائية. فالصحافي لا يُقاس بحلاوة صوته ولا بحجم شهرته، بل بقدرته على استعمال المعيار نفسه مع الجميع. ومن لا يستطيع أن ينصف خصما أو منافسا أو منتخبا لا يوافق هواه، عليه أن يراجع معنى المهنة قبل أن يراجع نتائج المباريات.

كرة القدم لا تحتاج إلى قراءات ملغومة. تحتاج إلى عين عادلة، ولسان مسؤول، وتحليل يحترم ذكاء الجمهور. أما حين يصبح التعادل أمام سويسرا مكسبا، والتعادل أمام البرازيل خسارة، دون تفكيك مقنع للفوارق بين الحالتين، فليس أمامنا تحليل رياضي مكتمل، بل موقف ينتقي من الوقائع ما يخدم نبرته.


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 10 ساعات
2M.ma منذ ساعة
جريدة أكادير24 منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 12 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 14 ساعة
جريدة كفى منذ يوم
هسبريس منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 15 ساعة
هسبريس منذ 13 ساعة