هدفت هذه الندوة إلى إبراز الأدوار المتعددة للمسرح باعتباره أداة للتدخل الإيجابي في عدد من المجالات المرتبطة بالإنسان، خاصة في ما يتعلق بالإدماج الاجتماعي، والدعم النفسي، والارتقاء بالتحصيل

نظم مركز أبعاد للأبحاث والدراسات، بتعاون مع مختبر البحث في الثقافات والعلوم والآداب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق، ندوته السنوية تحت عنوان "المسرح باعتباره آلية للإدماج الاجتماعي، للعلاج النفسي، للتحصيل التربوي"، يوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة الدار البيضاء سطات المقر الرئيس، ابتداء من الساعة التاسعة صباحًا، وذلك في إطار الانفتاح على المستجدات العلمية والثقافية ذات الصلة بالمجال التربوي والاجتماعي والفني.

هدفت هذه الندوة إلى إبراز الأدوار المتعددة للمسرح باعتباره أداة للتدخل الإيجابي في عدد من المجالات المرتبطة بالإنسان، خاصة في ما يتعلق بالإدماج الاجتماعي، والدعم النفسي، والارتقاء بالتحصيل التربوي. كما شكلت مناسبة لتقاسم نتائج أبحاث وتجارب أكاديمية وميدانية تناولت أثر الممارسة المسرحية في تنمية المهارات الشخصية والاجتماعية والتربوية.

ترأس مصطفى إنشاء الله أشغال الجلسة الافتتاحية حيث رحب بالحضور، وثمّن مجهودات الدكتور عبد المجيد شكير، رئيس مركز أبعاد للأبحاث والدراسات، في "ترسيخ تقليد الندوة السنوية، وتسليط الضوء على الأبعاد المتعددة للمسرح في تقاطعاتها الاجتماعية والنفسية والتربوية". وفي كلمته باسم مركز أبعاد للأبحاث والدراسات، استعرض الدكتور عبد المجيد شكير ظروف تأجيل هذه الندوة من سنة 2024 إلى سنة 2026 معبّرًا عن شكره لإدارة المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بجهة الدار البيضاء سطات، المقر الرئيس، على احتضان هذا اللقاء العلمي. أما كلمة مختبر البحث في الثقافات والعلوم والآداب، فقد قدّمها محمد المعروفي أعرب من خلالها عن أهمية مثل هذه المحافل العلمية بوصفها فضاءات مهمة لمدارسة القضايا الراهنة، وتبادل الرؤى، وإغناء النقاش الأكاديمي بما يفتح آفاقًا جديدة للاجتهاد المعرفي.

من جهتها، وباسم اللجنة العلمية للندوة، نوهت فاطمة يحياوي بالشراكة الأكاديمية التي جمعت بين مركز أبعاد للأبحاث والدراسات ومختبر البحث في الثقافات والعلوم والآداب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، معتبرة أن "هذا التعاون يشكل نموذجًا للتكامل بين المؤسسات البحثية والأكاديمية، ومن شأنه أن يسهم في تعزيز البحث العلمي وتوسيع مجالات الاشتغال المشترك مستقبلاً".

انطلقت أشغال الجلسة الأولى في محور الإدماج الاجتماعي، حيث سيّرت فقراتها مريم الناوي وصاغ تقريرها عصام الطوسي، وكانت أولى مداخلاتها معنونة ب"المسرح والإدماج الاجتماعي، من فن المسرح إلى معترك الحياة"، للباحث نور الدين الخديري، تناول من خلالها الأدوار الاجتماعية والثقافية التي يضطلع بها المسرح، باعتباره فاعلًا يسهم في التنشئة الاجتماعية وفي تأهيل الأفراد للاندماج داخل المجتمع. أمّا محمد العلمي فقد ناقش في مداخلته"المسرح والإدماج الاجتماعي في المغرب، من الفرجة إلى بناء الروابط الثقافية والمواطنة"، التحولات التي عرفها النظر إلى المسرح، موضحًا أن "الدراسات الحديثة في علم الاجتماع الثقافي ودراسات التواصل تجاوزت المقاربة التقليدية التي كانت تحصره في أبعاده الجمالية والفنية، لتعتبره مؤسسة ثقافية واجتماعية تسهم في إنتاج المعنى وصناعة الروابط الاجتماعية وإعادة تشكيل الوعي الجماعي".

في مداخلتها حول "دور المسرح في تحقيق الإدماج الاجتماعي لساكنة مدن الصفيح"، تطرّقت سميرة صاقل إلى إمكانات المسرح باعتباره نشاطًا ثقافيًا وفرجويًا قادرًا على الإسهام في تحقيق الإدماج الاجتماعي والثقافي داخل المجالات الحضرية الجديدة. أمّا ورقة "المسرح والمجتمع، من التنشيط إلى الوظيفة الاجتماعية"، لعادل اضريسي فقاربت العلاقة الجدلية بين المسرح والمجتمع، انطلاقا من فكرة أن "المسرح يُقدَّم غالبًا بوصفه مرآة للواقع، غير أن هذه المرآة لا تعكس الواقع فقط، بل تعيد تشكيله من خلال رؤى فنية وجمالية قد تتخذ أحيانًا طابعًا نقديًا أو صادمًا". وطرحت زكية انبيرك، في مداخلتها "إسهام المسرح في الإدماج الاجتماعي وبناء الوعي الثقافي"، إشكالين مركزيين يرتبطان بدور المسرح في السياق المغربي، يتمثل الأول في مدى قدرة المسرح على تحقيق الإدماج الاجتماعي الفعلي في ظل التحولات الثقافية المعاصرة، بينما يتصل الثاني بكيفية انتقال المسرح من مجرد فرجة فنية إلى وظيفة اجتماعية وتنظيمية تسهم في ترسيخ قيم التفاعل والمواطنة وتعزيز الاندماج بين مختلف الفئات الثقافية. أما الباحث عزيز لفروجي فتوقف في مداخلته "المسرح باعتباره آلية للإدماج الاجتماعي"، عند وظيفة المسرح في تأمين الإدماج الاجتماعي، من خلال استحضار عدد من التصورات الفلسفية والنظرية التي أسهمت في ترسيخ قيم الحوار والتعايش والتضامن داخل المجتمع.

انصبت أشغال الجلسة الثانية التي سيرها محمد المعروفي ووقّع تقريرها حمودة امعيط على محور العلاج النفسي، حيث استهل فقراتها ياسين معمر بمداخلته "المسرح ومناهضة ثقافة القمع، مقاربة سيكولوجية"، تناولت المرجعيات المؤسسة لمدرسة التحليل النفسي. بينما قدم مصطفى إنشاء الله مداخلة بعنوان "الكاثارسيس وأفقه التربوي في التراجيديا، من لحظته الأرسطية إلى الكلاسيكية"، انطلقت من الإشارة إلى أن "العودة إلى أرسطو لا تعني الانخراط في سردية "الأصل اليوناني" بوصفه منبعًا وحيدًا للفكر الجمالي، بل باعتباره مرجعًا مؤثرًا في تشكيل التصور الغربي للتراجيديا". أمّا الورقة الموسومة ب"بيداغوجية الخشبة، المسرح باعتباره فضاء للعلاج النفسي"، فقد طرح من خلالها بوشتى حجوبي إشكالًا مركزيًا يتعلق بـ"كيفية توظيف آليات بيداغوجية الخشبة باعتبارها تدخلًا منهجيًا يوفّر فضاءً آمنًا يتيح التفريغ والانفراج والاستشفاء النفسي لدى المتعلمين، بدل الاقتصار على المقاربة التقليدية التي تفصل بين التعلم والانفعال والجسد". وقد تبنّت إكرام الغجواني في مداخلتها "المسرح وآليات التفريغ النفسي"، مقاربة بينية تجمع بين الجماليات المسرحية والدراسات النفسية، معتبرة أن "المسرح لم يعد مجرد فضاء للفرجة الجمالية، بل أصبح آلية رمزية لتنظيم الانفعالات وتفريغها في إطار منضبط ومؤثر".

عبد الرحيم سكري انطلق، في مداخلته المعنونة بـ"دراسة في الأثر النفسي لفنون الفرجة"، من تساؤلات مرتبطة بتجربة المتلقي اليومية مع الفرجة، متوقفًا عند "الشعور بالارتياح الذي يعقب مشاهدة العروض أو التفاعل مع محتويات الفرجة بمختلف أشكالها، سواء داخل الفضاءات المسرحية أو عبر الوسائط الرقمية، معتبرًا أن هذا الإحساس يرتبط بآليات نفسية عميقة تستدعي الدراسة والتحليل". أما عصام صابر فقد ركّز في مداخلته المعنونة بـ"انتقال المسرح من الوظائف الأدائية التعبيرية إلى الوظائف العلاجية السيكوحركية"، على التحولات التي عرفها المسرح من كونه فنًا يقوم على التعبير والأداء إلى كونه مجالًا وظيفيًا ذا أبعاد علاجية وتربوية.

الجلسة الثالثة اشتغلت على محور التحصيل التربوي، حيث أدار فقراتها الدكتور عمر الرويضي وقرّرها واهب أباحمان، وقد افتتحها علي أوتشرفت بمداخلته "المسرح التربوي وآلية الإدماج الاجتماعي، من الفرجوية إلى الفعل السوسيوبيداغوجي"، منطلقا من تحديد المسرح التربوي باعتباره "استراتيجية بيداغوجية تقوم على التمثيل والمحاكاة واللعب الدرامي، وتهدف إلى تنمية القيم والمهارات الحياتية. بينما اختار عبد المجيد صدار، في مداخلته "المسرح في السياق التربوي، من التنشيط إلى بناء الكفايات"، التأكيد على أن "المسرح داخل الفضاء التربوي لا يُختزل في كونه نشاطًا فنيًا هامشيًا، بل يُعد أداة بيداغوجية فعالة تسهم في بناء التعلمات وتنمية الخبرات الحياتية لدى المتعلمين، من خلال تفعيل أبعادهم النفسية والمعرفية والوجدانية". أمّا مداخلة أمينة لمخطط "التعلم بالمسرح، نحو مقاربة تفاعلية للتحصيل التربوي"، فقد اعتبرت المسرح مفهوماً مركباً تتقاطع فيه تصورات فنية وتربوية ونفسية، وليس مفهوماً مستقلاً يمكن حصره في بعد واحد.

مداخلة "دور المسرح في بناء الكفايات: مقاربة عصبية تداولية وأثرها في تنمية الكفايات لدى أطفال التوحد"، لوسيمة بوعريب أبرزت أهمية المسرح التربوي في ضوء المقاربات العصبية التداولية التي تربط بين استعمال اللغة في سياقها التواصلي وبين الآليات الدماغية المسؤولة عن الفهم والتعلم والسلوك. بينما عكفت آخر مداخلات هذه الندوة للكبير البغدادي "نحو توظيف فعال للمسرح داخل المجتمع المدرسي"، على رصد مجموعة من الإشكالات التي تؤرق الفاعلين التربويين والمتدخلين في الحقل التعليمي، والمتعلقة بـ"صعوبات تحصيل المعارف اللغوية والقيمية داخل المدرسة".

في ختام أشغال هذه الندوة أشاد محمد المعروفي بجودة المداخلات التي قُدمت خلال هذا اللقاء العلمي، وما تميزت به من تنوع في المقاربات وعمق في التحليل، مؤكداً أنها أسهمت في إغناء النقاش حول موضوع المسرح والإدماج الاجتماعي، وأبرزت تعدد زوايا الاشتغال عليه تربويًا ونفسيًا وثقافيًا. كما أكد في كلمته على أن المداخلات ستُشكل أرضية لمؤلف جماعي سيتم العمل على تنقيحه وإعداده في صيغة علمية محكمة، على أن يُنظّم في السنة المقبلة لقاء علمي جديد وتقديم وتوقيع هذا المؤلف في إطار استمرارية الشراكة القائمة.

من جهته أيضا، عبّر عبد المجيد شكير، باسم مركز أبعاد للأبحاث والدراسات، عن اعتزازه الكبير باحتضان هذا اللقاء العلمي، مؤكداً أن مثل هذه المحطات تشكل لحظة معرفية وإنسانية متميزة، تتيح للباحثين والمتدخلين فرصة الالتقاء خارج الإيقاع اليومي المعتاد للتكوين والبحث والإنتاج الأكاديمي، وأوضح أن قيمة هذا الموعد لا تكمن فقط في العروض والمداخلات التي قُدمت، بل في كونه فضاءً لإعادة اكتشاف الذات داخل الحقول المعرفية المختلفة، وفرصة للانفتاح على مجالات أوسع من التفكير، بما يسمح بتجاوز الحدود الضيقة للتخصصات نحو رؤية أكثر شمولاً للمعرفة والإنسان.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
2M.ma منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 11 ساعة
وكالة الأنباء المغربية منذ 22 ساعة
هسبريس منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 11 ساعة
جريدة كفى منذ 4 ساعات