لا تُصنع التحولات الكبرى بالمال وحده، في ساحة المال والأعمال بل بالثقة التي تدفع المستثمر إلى الرهان على قصة لم تكتمل فصولها بعد، هكذا بدأت رحلة شركات عالمية كبرى تحولت من أفكار واعدة إلى نماذج نجاح غيرت صناعات بأكملها، وهكذا تنمو الاقتصادات أيضًا عندما تنجح في إقناع المستثمرين بأن المستقبل يُكتب على أرضها.
واليوم، بينما تحتدم المنافسة العالمية على استقطاب الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي، لم تعد الشركات تبحث فقط عن أسواق أقل تكلفة، بل عن بيئات أعمال قادرة على توفير المواهب المناسبة، ودعم النمو المستدام، والتكيف مع متطلبات عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
وفي هذا السياق تبرز مصر باعتبارها واحدة من أكثر الوجهات جذبًا لقطاع التعهيد والخدمات العابرة للحدود، ليس لأنها تقدم تكلفة أقل فحسب، بل لأنها تبني منظومة متكاملة تجمع بين الكفاءات البشرية والبنية التحتية والدعم المؤسسي والرؤية طويلة المدى. ففي وقت تبحث فيه الشركات العالمية عن مواقع قادرة على توفير المهارات المتخصصة والمرونة التشغيلية والقدرة على النمو، تطرح مصر نفسها كشريك استراتيجي في صناعة الخدمات الرقمية العالمية.
ومن هنا لم يعد السؤال: لماذا تستثمر شركات التعهيد في مصر؟ بل كيف نجحت مصر خلال سنوات قليلة في تحويل نفسها من سوق واعدة إلى قصة نجاح تستقطب اهتمام كبرى الشركات العالمية وتنافس أبرز مراكز التعهيد في العالم؟
*التعهيد الجديد: من خفض التكاليف إلى صناعة القيمة*
لفترة طويلة ارتبط مفهوم التعهيد في الأذهان بصورة نمطية محدودة: شركة أجنبية كبرى تنقل مركز اتصالاتها إلى بلد منخفض التكلفة لتقليص النفقات. كان هذا التصور يعكس واقع التسعينيات، ولكنه اليوم لا يعكس التحولات العميقة التي يشهدها القطاع، فما كان ينظر اليه كحل امثل في معادلة التوفير، أصبح اليوم منظومة استراتيجية لإدارة الخبرات، تعزيز الابتكار، وخلق قيمة مضافة عبر الحدود.
الأرقام وحدها تكفي لقلب المفهوم رأسا على عقب؛ وفق تقديرات جراند فيو ريسرش بلغت قيمة سوق خدمات التعهيد العالمي 38 تريليون دولار في عام 2024 ومن المتوقع أن تتضاعف لتصل إلى 71 تريليون دولار بحلول عام 2030 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 113 وعلى الجانب الأضيق لتكنولوجيا المعلومات تحديدا قدرت ستاتيستا حجم سوق التعهيد التقني بـ588 مليار دولار في عام 2025 وترى أنه سيتجاوز 806 مليارات دولار بحلول عام 2030
لكن الأهم من الأرقام هو التحول النوعي الذي شهدته صناعة التعهيد نفسها. فما كان يُنظر إليه في الماضي باعتباره وسيلة لخفض التكاليف أو تشغيل مراكز الاتصال التقليدية، أصبح اليوم أداة استراتيجية تمكّن الشركات من الوصول إلى الكفاءات المتخصصة، وتقديم تجارب عملاء أكثر تطورًا، والتوسع في أسواق جديدة بكفاءة ومرونة أكبر. ولم تعد الشركات تبحث فقط عن مزودي خدمات، بل عن شركاء قادرين على دعم النمو وتحقيق قيمة مضافة حقيقية لأعمالها. وتعكس خدمات تجربة العملاء متعددة اللغات هذا التحول بوضوح، حيث أصبحت القدرة على خدمة عملاء من ثقافات وأسواق مختلفة، مع الحفاظ على مستويات متسقة من الجودة والكفاءة، عاملًا حاسمًا في قرارات التعهيد الحديثة.
بعبارة أخرى لم يعد التعهيد ملاذا اضطراريا للاقتصاد في الإنفاق، بل تحول إلى استراتيجية تنافسية راسخة لأكبر شركات العالم؛ إذ كشف استطلاع جارتنر لعام 2025 أن 80% من المديرين التنفيذيين يخططون للحفاظ على مستوى استثماراتهم في التعهيد أو رفعه في حين يعاني 74% من أصحاب العمل من صعوبة إيجاد الكفاءات المتخصصة التي يحتاجونها داخليا.
من الاستراتيجية إلى التنفيذ: كيف صنعت مصر جاذبيتها في سوق التعهيد العالمي؟
منذ إطلاق استراتيجية التعهيد الرقمي 2022-2026 تبنت الحكومة نهجًا عمليًا يركز على جذب الاستثمارات، ودعم توسع الشركات العاملة في السوق، وتعزيز قدرة مصر على المنافسة كمركز عالمي لتقديم الخدمات العابرة للحدود. وخلال السنوات الأخيرة، شهد القطاع نموًا ملحوظًا انعكس في دخول شركات جديدة إلى السوق المصرية وتوسع شركات قائمة بالفعل، بما يعكس الثقة المتزايدة في بيئة الأعمال المصرية وجاذبيتها للمستثمرين الدوليين.
على صعيد التمكين التقني والبشري أظهرت البيانات ارتفاعًا ضخمًا في حجم الاستثمارات بمجال التدريب، إذ زادت ميزانية التدريب بأكثر من 60 ضعفًا خلال عشر سنوات، ولا يقتصر دور الحكومة على بناء الكوادر البشرية وتأهيلها فحسب، بل يمتد إلى إنشاء المنظومة المتكاملة التي تُمكّن هذه الكفاءات من العمل والنمو. فمن المدن التكنولوجية وحدائق الابتكار إلى الأطر التشريعية والتنظيمية الدامة، تعمل الدولة على توفير بيئة أعمال مرنة ومحفزة تواكب متطلبات شركات التعهيد والتكنولوجيا العالمية.
وتُجسد قصة توسع شركة أورا كوميونيكيشن في المنطقة التكنولوجية بمدينة بني سويف الجديدة نموذجًا عمليًا لنجاح هذه الاستراتيجية. فالشركة بدأت عملياتها بعدد 50 مقعدًا فقط، قبل أن تتوسع تدريجيًا إلى 820 مقعدًا، ثم تضيف 220 مقعدًا جديدًا ليصل إجمالي الطاقة التشغيلية إلى 1،090 مقعدًا يعمل عليها نحو ألف موظف. كما ارتفعت المساحة المؤجرة للشركة من 2،729 مترًا مربعًا إلى أكثر من 3،400 متر مربع، في مؤشر واضح على نمو أعمالها وثقة عملاءها في البيئة الاستثمارية المتاحة.
ولا تعكس هذه الأرقام نجاح شركة واحدة فحسب، بل تعكس أيضًا قدرة المناطق التكنولوجية المصرية على استيعاب التوسع المتسارع للشركات العاملة في القطاع ودليل على نجاح استراتيجية تمكين الشركات من النمو خارج نطاق القاهرة الكبرى، وتوفير فرص عمل نوعية في المحافظات، فضلًا عن الثقة المتزايدة في البنية التحتية المتخصصة والخدمات التي توفرها هذه المناطق.
لماذا تختار الشركات العالمية مصر؟
لم تعد مصر تكتفي بإقناع شركات التعهيد العالمية بافتتاح مقراتها ومراكز خدماتها على أراضيها، بل باتت تطرح نفسها كمنظومة متكاملة من المزايا التنافسية التي يصعب العثور عليها مجتمعة في سوق أخرى، ما يجعل قرار الاستثمار فيها أكثر جاذبية واستدامة.
تتمثل أولى هذه المزايا، وربما أكثرها لفتًا للانتباه، في الثروة البشرية التي تمتلكها مصر. إذ تخرّج الجامعات المصرية أكثر من 740 ألف خريج سنويًا، والأهم من ذلك أن ما بين 30% و40% من هؤلاء الخريجين يجيدون عدة لغات، تتراوح بين ثلاث وخمس لغات، من بينها العربية والإنجليزية، والفرنسية والإسبانية والألمانية. وتتجاوز أهمية هذه الميزة مجرد القدرة على التواصل؛ فهي تمنح الشركات العاملة من مصر القدرة على خدمة أسواق متعددة من مركز تشغيل واحد، بما يحقق كفاءة أكبر في التكاليف وسرعة أعلى في التوسع. فبدلًا من إنشاء فرق عمل منفصلة في عدة دول، تستطيع الشركات بناء مراكز إقليمية قادرة على تقديم الخدمات لعملاء في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا من موقع واحد.
وتُجسد تجربة أورا كوميونيكيشن هذه الميزة بوضوح والتي تشغل حاليا فريقا يتحدث عدة لغات في أكثر من موقع تشغيلي على مستوى الجمهورية ليخدم قاعدة عملاء دولية واسعة. بمتطلبات ثقافية ولغوية متنوعة، مع الحفاظ على مستويات موحدة من الجودة والكفاءة التشغيلية. وقد لعب هذا التنوع اللغوي دورًا محوريًا في استراتيجية نمو الشركة خلال السنوات الماضية، إذ أتاح لها التوسع في أسواق جديدة وخدمة قطاعات متنوعة. كما منحها مرونة أكبر في الاستجابة لاحتياجات العملاء الدوليين الذين أصبحوا يبحثون بشكل متزايد عن شركاء قادرين على إدارة عمليات متعددة اللغات من موقع واحد.
وفي عالم أصبحت فيه القدرة على الوصول إلى المواهب متعددة اللغات عاملًا حاسمًا في قرارات الاستثمار والتوسع، تبرز مصر كواحدة من الأسواق القليلة التي تجمع بين وفرة الكفاءات، والتنوع اللغوي، والتكلفة التنافسية، وهو ما يمنح الشركات مثل أورا فرصة للتحول من مزود خدمات محلي إلى شريك إقليمي ودولي يخدم أسواقًا متعددة انطلاقًا من مصر.
أما الميزة الثانية فتتمثل في الموقع الجغرافي الاستثنائي لمصر، التي تتوسط ثلاث قارات وتتمتع بتداخل زمني مع أبرز الأسواق العالمية في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا. وتمنح هذه الميزة شركات التعهيد العاملة من مصر قدرة على تقديم خدماتها بكفاءة واستمرارية على مدار الساعة، وهو ما يفسر وجود نحو 270 مركز تسليم عالمي يعمل حاليًا من مصر ويخدم عملاء في أكثر من 100 دولة حول العالم.
وتأتي الكلفة التنافسية كميزة ثالثة لا تقل أهمية، إذ يوفر الاقتصاد المصري هيكل تكاليف وأجور يظل جاذبًا للشركات العالمية دون المساس بجودة الخدمات المقدمة. وتمثل هذه المعادلة بين الكفاءة التشغيلية والتنافسية السعرية والمستوى التقني المتقدم أحد أبرز العوامل التي تدفع الشركات الدولية إلى التوسع في السوق المصرية، حتى بات العديد من التنفيذيين يصفونها بـ "نقطة التوازن المثلى" في قرارات التوسع والاستثمار
وعلى صعيد التنويع الجغرافي داخل مصر، لم تعد القاهرة وحدها مركز الثقل في صناعة التعهيد. فمدن مثل الجيزة وبني سويف والإسكندرية، إلى جانب المدن الجديدة، باتت تستقطب.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الفجر
