لا أخفي أنني من الأشخاص الذين يتجنّبون الإشادة بالمسؤولين أو الأنظمة أو المبادرات قبل أن تتضح آثارها وتُختبر عملياً. فالمحامي بحكم عمله يرى النصوص من زاوية التطبيق، ويقيس نجاحها بما تحققه على أرض الواقع لا بما يُقال عنها.
ولعل ما يدفعني إلى هذه الكتابة أنني بطبيعتي أتحفظ في الإشادة بالأشخاص في الشأن العام، لأن الأصل أن تُنسب النجاحات إلى المؤسسات والمنظومات لا إلى الأفراد وحدهم. غير أن قراءة حوار صحفي أخير لوزير العدل الدكتور وليد بن محمد الصمعاني دفعتني إلى التوقف طويلاً أمام فكرة أراها جوهرية؛ وهي أن التطوير الحقيقي لا يكمن في تغيير النصوص فحسب، بل في القدرة على الاقتراب أكثر من مستهدفات القيادة في تعزيز العدالة، وحماية الحقوق، وتيسير الوصول إليها، وبناء منظومة تحقق التوازن بين مصلحة الدائن وكرامة المدين في الوقت ذاته.
وأعترف أن جزءاً من اهتمامي بهذا الحوار لا يعود إلى نظام التنفيذ وحده، بل إلى المسار الذي تقوده وزارة العدل خلال السنوات الأخيرة. فالمتابع المنصف يصعب عليه تجاهل حجم التحولات التي شهدتها البيئة العدلية في المملكة، من تحديث الإجراءات، إلى صدور أنظمة محورية كالأحوال الشخصية والمعاملات المدنية، إلى مشاريع التطوير المستمرة في القضاء والتنفيذ. ولهذا، فإن قراءة حديث الوزير بدت لي امتداداً طبيعياً لمسار أوسع، يقوم على تحويل مستهدفات القيادة من أفكار ومبادرات إلى أنظمة وإجراءات وممارسات يلمس أثرها الناس على أرض الواقع.
ولعل الإنصاف يقتضي هنا أن أقول إنني أجد صعوبة متزايدة في الفصل بين تقديري للتحوّل النوعي الذي تشهده المنظومة العدلية، وبين تقديري لمن يقود هذا التحول ويتحمل مسؤوليته. فبعض المسؤولين يرتبط اسمهم بمنصب، بينما يرتبط آخرون بأثرٍ يبقى لعقود، وفي تقديري أن ما شهدته وزارة العدل خلال السنوات الأخيرة يضع الوزير في الفئة الثانية.
ولهذا، فقد تابعت النقاشات الواسعة التي صاحبت صدور نظام التنفيذ الجديد، كما تابعت التحليلات المتباينة حوله. وكان السؤال الذي يتكرر كثيراً: هل خفف النظام من أدوات التنفيذ؟ وهل أصبح أكثر ميلاً إلى حماية المدين على حساب الدائن؟
لكن بعد قراءة ذلك الحوار، بدا لي أن الشق الأكبر من النقاشات كان يدور حول تفاصيل النظام، بينما كانت فلسفته الحقيقية في مكان آخر تماماً.
فالجملة التي استوقفتني أكثر من غيرها كانت قوله:
«المطلوب من نظام التنفيذ الجديد الوصول إلى الحق لا الإضرار بالإنسان».
هذه العبارة وحدها تكاد تختصر التحول الذي يشهده نظام التنفيذ بأكمله.
فكثير من الناس سمعوا أن الحبس التنفيذي تقلص، وأن بعض القيود التي كانت معروفة في النظام السابق تغيرت، وأن النظام أصبح أكثر مراعاة للمدين. لكن السؤال الذي لم يُطرح بالقدر الكافي هو: ماذا كسب الدائن في المقابل؟
والإجابة، في تقديري، هي جوهر النظام الجديد كله.
فالفلسفة القديمة في كثير من أنظمة التنفيذ حول العالم كانت تقوم على الضغط على المدين شخصياً أملاً في الوصول إلى الحق. أما الفلسفة التي يتجه إليها النظام الجديد فتقوم على التركيز على الحق نفسه، وعلى المال نفسه، وعلى الذمة المالية نفسها.
فما الفائدة من سجن شخص لا يملك مالاً؟ وما الفائدة من منع سفر شخص بينما الأموال أو الأصول أو الحقوق القابلة للتنفيذ ما زالت بعيدة عن متناول إجراءات التنفيذ؟ وما الفائدة من تعطيل حياة المدين إذا كانت حقوق الدائن لم تصل إليه أصلاً؟
لهذا جاءت الفكرة الأساسية واضحة: الانتقال من التركيز على الإنسان إلى التركيز على.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة عكاظ
