محمد سبيلا: دفاع عن الحداثة ونقد لها

أفضى الغزو النابليوني لمصر ما بين عامي 1798 و1801 إلى استشعار العرب مدى انكفائهم وتراجعهم التاريخيين؛ ولعل ما قوى هذا الشعور هو الجيوش الباسلة والمتماسكة التي قادها نابليون بونابرت بثبات، فضلا عن حيازتها مجموعة من الأسلحة الفتاكة والمتطورة التي أفزعت أهل الشرق وجعلتهم يكتشفون تقدم الضفة المجاورة لهم، ليذيع السؤال المربك: كيف تقدم الغرب وتأخر الشرق؟ أو بصيغة أدق وأوجع: كيف ننهض؟

من هذا السؤال تناسلت جملة من الكتابات الإصلاحية التي رامت إخراج المجتمعات العربية من شرنقة التأخر التاريخي، وكل مشروع فكري توسل بعدة منهجية وبشبكة مفاهيمية محددة، وهذا ما جعل الفكر العربي المعاصر والحديث مطبوعا بالاختلاف والتنوع والتباين في الأفكار والرؤى؛ فتيار ابتغى الإصلاح من خلال التمسك بإرث الأسلاف وصون أمجاد الأجداد، وتيار ثان تقصّد النهضة من خلال الفكِ مع التراث في شقيه: التراث المادي وتراث القيم والارتماء، في المقابل، في حضن الحداثة الغربية وتشرب حصائلها ومكتسباتها كتلة واحدة، وتيار ثالث سلك مسلك الاعتدال فارتأى أن يكون انتقائيا من خلال انتخاب ما يلائمه من التراث العربي الإسلامي ومن خلاصات السردية الغربية، بدءا من القرن السادس عشر إلى حدود القرن التاسع عشر، وقد يسعفه في تجاوز محنته الحضارية ونكبته التاريخية.

ينتسب المفكر المغربي محمد سبيلا (1942 - 2021) إلى الجيل الثالث من المفكرين العرب الذين ابتغوا نحت مشروع إصلاحي قوامه التمسك بالحداثة، بوصفها منظومة فكرية تشكلت ملامحها خلال القرن السادس عشر في أوروبا عبر جملة من الثورات النوعية: ثورة في العلم من خلال الاكتشافات العلمية لكل من كوبرنيكوس وغاليليو بعد انقلابهما على التصور البطليمي للعالم، وثورة في الاقتصاد والسياسة عبر تكون معالم الفكر الليبرالي في مراحله الأربع الذي ارتد على الذهنية الإقطاعية وأسهم في تأسيس اقتصاد متين، علاوة على ثورة ثقافية وجغرافية وإصلاح ديني عاصف، إلى أن تشرب الفرد الأوروبي هذه التحولات ووعى بها خلال القرن الثامن عشر (عصر التنوير).

وفي مضمار تشبثه بالحداثة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بأوروبا، وسمتها الكونية، فإنه لا يستسهل، إطلاقا، القطيعة مع التراث، ويرى أن الانفكاك عنه ليس أمرا يسيرا، ولعل مرد ذلك هو اعتقاده الدائم بأن التراث «يسكننا ويسكن مخيلتنا ولغتنا وهمومنا ووجداننا. هو اللفافة التي تلفنا وتلون لون العالم بالنسبة لنا. كل نهضة وحركة لا بد أن تمر عبر التراث» (سبيلا، الشرط الحداثي، 2021، ص22). وعلى الرغم من تصديه لطائفة ممن دعوا إلى التخلص من التراث وطي صفحته، إلا أنه في الوقت نفسه لا يرى أن للتراث مقدرة على بلورة الحداثة، ويعده عاجزا عن أخذ العرب إلى سبيل أيسر لمعانقة النهضة المنشودة، ومن ثمة ينكشف لنا أن الحداثة، في تقديره، لها نفس ابستمي - معرفي يقترن بالبيئة الأوروبية، ومن ثمة لا إمكانية لأخذها إلى مسار آخر وجعلها مرتبطة به (ص22). إن الضدية هي دأبه دائما، فكم من مرة يجده القارئ يطوع العبارة ويروض الكلمة مادحا الحداثة الأوروبية، ومتغنيا بثوراتها، وحينة أخرى يلفيه المتلقي يقرع نتائجها ويلوم كوكبة من الطروحات التي تنافح عنها.

ميز محمد سبيلا بين معنيين للحداثة؛ الأول تاريخي صرف والثاني ذو حمولة فلسفية خالصة (سبيلا، مدارات الحداثة، 2009، ص236). إن الحداثة في شقها التاريخي هي كناية عن التحولات الجمة التي مست ميدان التقنية، والتنظيم، والفكر، التي شهدتها ربوع أوروبا ابتداء من القرن التاسع عشر الذي كان شاهدا على ثورة هائلة في التصنيع ما كانت لتتحقق لولا العلم الحديث، وهذا العلم ما كان لينشأ لولا الليبرالية التي أنهت الإقطاع، واغتالت الفكر الغيبي، وفكت مع الذهنية الاستهلاكية، وجعلت العبودية آفلة فاتحة الباب أمام زمن جديد عنوانه الحرية والاستقلالية (العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، ط6، 2002، ص149). بينما الحداثة في معناها الفلسفي هي كتلة من القيم والمعايير التي تمخضت عن كل هذه التغيرات والتبدلات الجوهرية، فأسفرت عن انبلاج رؤية جديدة وحديثة «للطبيعة والتاريخ والمجتمع»، ومن هنا سارت الأمم الأوروبية بخطى واثقة صوب التقدم والكمال مبتعدة عن دول العالم الثالث التي عاقرت التخلف والتأخر التاريخيين. توصل سبيلا في سياق تفكيكه لمنظومة الحداثة إلى وجود حداثات عديدة: أولها الحداثة التقنية، وهي حداثة ترتكز على «استحداث التقنيات والآليات المختلفة واستخدامها». ثانيا؛ حداثة في ميدان الاقتصاد عبر تبلور أنموذج عصري هو اقتصاد السوق، وذلك من خلال «الانتقال من الإنتاج اليدوي المحدود والاكتفائي إلى الإنتاج الآلي والمعقلن» (مدارات الحداثة، ص238)، ثم الحداثة الاجتماعية التي أسفرت عن تحول المجتمعات.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 7 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 12 ساعة
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 34 دقيقة
قناة الإخبارية السعودية منذ ساعة
صحيفة عكاظ منذ 18 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 10 ساعات
صحيفة سبق منذ 21 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 17 ساعة
صحيفة سبق منذ 16 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 16 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 7 ساعات