فى لحظات التحولات الكبرى التى تنتج عن حروب بلا نتائج حاسمة، واتفاقيات يسهل تفسيرها بحسب الهوى، لا تكشف السياسة عن نواياها بوضوح، بل تختبئ خلف التسريبات والتأويلات وصراعات السرديات. وعليه، لا تُقاس الاتفاقات بما تُعلنه العواصم بقدر ما تُقاس بما تُنتجه من توازنات على الأرض. فبين واشنطن وطهران، لا يبدو أن الأمر مجرد تفاهمات سياسية من 14 بندًا، بل اختبار دقيق لفكرة «الردع الذكى» الذى يوازن بين تقليل التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة؛ حيث يتحول الاتفاق إلى ميزانٍ بالغ الحساسية، قد يدفع به أى اختلال بسيط من مربع الاستقرار إلى شرارة اضطراب واسع.
تعيش العلاقات الأمريكية الإيرانية فى هذه الأيام منعطفًا ملحميًا تجسد فى إعلان الرئيس دونالد ترامب عن وثيقة التفاهم المكونة من 14 بندًا، والتى تمثل فى عمقها اعترافًا استراتيجيًا وتكتيكيًا فادحًا بتبدل موازين القوى لصالح طهران. يعكس هذا التطور رغبة واشنطن فى تجنب كارثة اقتصادية عالمية، تشبه الكساد الكبير فى ثلاثينيات القرن الماضى، مدفوعة بالمخاوف من استمرار إغلاق مضيق هرمز وتداعياته على النفط والأسواق. وفى خطوة تبريرية، أقر ترامب بضرورة إطلاق سراح مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة لحماية مكانة الدولار عالميًا من التآكل، متراجعًا عن خيار الصراع العسكرى الذى استنزف المخزونات الأمريكية من الذخائر والصواريخ الذكية خلال 40 يومًا فقط من القتال.
لم يقتصر الأمر على الشق المالى، بل امتد ليتضمن غض الطرف عن برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، تلاه الاعتراف بشرعية تخصيب اليورانيوم، الأمر الذى فجّر عاصفة سياسية فى واشنطن، تُرجمت فى تضارب حاد فى الروايات بين ترامب ونائبه جى دى فانس بشأن مدى صحة وجود صندوق إعمار بقيمة 300 مليار دولار يُفترض أن تتحمله دول الخليج. فى المقابل، علّق الرئيس السابق باراك أوباما لشبكة «ABC»، مؤكدًا أن جوهر هذا الاتفاق لا يختلف عن تفاهمات إدارته السابقة، مما يبرز حجم التنازلات الحالية بعد حرب شنت فيها واشنطن آلاف الغارات واستهلكت ثلث مخزوناتها على الأقل من صواريخ الكروز، وقنابلها الثقيلة المحدودة مثل «GBU ــ 57»، وكل ذلك بدون حسم برى لم يقو عليه ترامب نظرًا لكلفته السياسية والمالية والبشرية الباهظة.
*
هذا الاتفاق ــ إن تم ــ يعطى طهران رافعة مالية هائلة، إضافة إلى اعترافٍ صريح يتيح لها مضاعفة قدراتها العسكرية، وعلى رأسها ترسانتها الباليستية، لا سيما بعد إخفاق منظومات الدفاع الجوى الأمريكية مثل «ثاد» (التى جُلبت من كوريا الجنوبية) فى توفير حماية مطلقة للقواعد العسكرية الأمريكية بالخليج، والتى واجهت تدميرًا هيكليًا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق
